بقلم: عبدالكريم زكطة (*)
إن استحضارنا لشخصية عبد الرحمن اليوسفي في هذا المقام له دلالات وأبعاد ولدتها ظروف ﺁنية، وفيه استشراف للمستقبل بالمغرب، وما يعيشه البلد في عالم وسياق إقليمي متوثر، ومتقلب بسبب الأزمات الدولية أبرزها “فيروس كورونا”، الإنتخابات الأمريكية، علاقة العالم العربي بإسرائيل وبالقضية الفلسطينية، ظهور أقطاب اقتصاديه، اقتراب الإنتخبات التشريعية بالمغرب، ويبدو أن المغرب ليس في منأى عن هذه المتغيرات الدولية، والتي انعكست سنة 2020 عن الإقتصاد الوطني وخلخلة بنيات أخرى للدولة في علاقتها بالمواطنين والمجتمع “كالتغطية الاجتماعية والصحية، من هنا جاءت فكرة العودة الى عبدالرحمن اليوسفي. وفي الوضعيات والظروف الإستثنائية نحتاج الى رجال إستثنائيين، ونتمنى من القارئ في هذا الصدد أن لا يفهم من هذه العودة سببها الحنين أو عودة الآبق”، أو ذات حمولة إيديولوجية. لأننا حقيقة نجد أنفسنا مضطرين إلى نموذج اليوسفي رحمه الله في شخصه النبيل و صدق مشاريعه الإصلاحية.
فكيف نجعل من فلسفة الرجل استشرافا للمستقبل وللنهضة التي يريدها المغرب؟ ماهي أهمية الشباب في فكر عبد الرحمن اليوسفي؟ كيف نجعل من ماضي الرجل حاضرا نواجه به الصعاب و نفتح به الممكنات؟
– لا شك في بحثنا المتواضع في هذا الموضوع واجهته بعض الصعاب، المتمثلة في مشقة اختيار النص الذي يجب الاشتغال عليه، ووجدنا الكثير مما كتب في الموضوع، لكن في مثل هذه الأبحاث على الكاتب أن يعتبر أن الأمر لا يتعلق برجل فكر فقط ، وإنما رجل جمع بين الفكر والممارسة، وعليه وجدنا في كتاب الأكاديمي والاقتصادي /إدريس الكراوي:”عبد الرحمن اليوسفي دروس للتاريخ” نصا غنيا لفهم تجربة الرجل من الداخل; يقول الأستاذ اليوسفي ” عايش المؤلف عن قرب ما أعددناه من إصلاحات اجتماعية وسهر بجانبنا على تحضير ملفات التي قادت إلى ترجمة هذه الإصلاحات في برامج وتدابير ومبادرات وكان الحارس الأمين ميدانيا على مواكبة مختلف مراحل أجراة هذه الإصلاحات و تتبعها و تقييم نتائجها ” وكما يقول جاك أتالي “إن أصعب شيء في السياسة على الإطلاق هو ما تشاهده امام أعينك”
ولا بد من التأكيد أن الأستاذ اليوسفي دخل تجربة فريدة ومعقدة في تاريخ المغرب المعاصر ; وهي مرحلة التناوب التوافقي على الحكم باتفاق مع المغفور له الملك الحسن الثاني، ثم مرحلة انتقال الحكم بين ملكين، في البداية كان اجتهاد كبير لليوسفي; تجسد في إصلاحات دستورية سنة 1996، وتقوية الكتلة الديمقراطية ،والعمل على استرجاع الثقة للمؤسسات ومصالحة المغاربة مع تاريخهم، وتم تعبئة نخب سياسية وثقافية ومدنية لهذا الدور، ورغم أن اليوسفي وجد أمامه إرثا ثقيلا، ووضعية البلاد بسبب سنوات الجفاف وارتفاع أسعارالبترول، والمديونية، وهو ما عبر عنه الملك الراحل الحسن الثاني: “إن البلاد على أبواب السكتة القلبية” ومع ذلك تحمل اليوسفي بجرأة وحكمة وتبصر وتفضيله المصلحة العليا لإنجاح هذه المهمة الكثيرة التعقيد، وإعطاءه الأولوية للإصلاحات الإجتماعية، يقول اليوسفي: “حرصنا على وضع إصلاحات اجتماعية كبرى همت فئات عريضة من مجتمعنا ومجالات ترابية عديدة شملت التغطية الصحية ومحاربة البطالة ومقاومة الفقر والإقصاء لاسيما في الوسط القروي وهوامش المدن مع إيلاء أهمية خاصة للحوار الاجتماعي والمدني وللشراكة الدولية من أجل التنمية البشرية المستدامة والأمن الاجتماعي” والرجل يعي صعوبة المهمة فيقول والكلام له: “لقد كنا منذ البداية تمام الوعي بأن الإصلاحات الإجتماعية الكبرى بحكم طبيعتها، سوف لن تعطي ثمارها إلا على المدى المتوسط والبعيد، ومن تم سوف لن تنعكس فورا على واقع المواطنات والمواطنين”
وعلاوة على ذلك نجد في واقعية الإصلاح الذي تجلى في مبادرة 20-20.47.10 في القانون المالي لسنة 1999، كتأكيد عن التضامن والبحث عن التماسك الإجتماعي والشغل، وتقليص الفوارق الإجتماعية والمجالية والتهميش، كما شهدت المؤشرات ما بين 1998 و2002 تطورات ملموسة كارتفاع نسبة الميزانية المتعلقة بالشق الاجتماعي; إلى 48% وانخفاض بطالة الشباب حاملي الشهادات العليا من 24% إلى 19% ارتفاع نسبة تمدرس الأطفال من 6% إلى 11% ومن 68% إلى 94% والفتيات والتمدرس من 61% إلى 91 % وتزويد العالم القروي بالماء من 32% إلى 50% ونسبة التغطية الصحية من 15% إلى54 %.
كما شهدت هذه الفترة إحداث الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، وكذا إدماج الأشخاص حاملي الشواهد العليا في وضعية إعاقة، وتطوير ثقافة المبادرة الذاتية، وفي هذه الحقبة بالذات; عرفت السياسة الوطنية المتعلقة بالمرأة طفرة نوعية في مرحلة التناوب، ليس في التنمية فقط وإنما في التربية والتكوين وحقوق الإنسان، والمرأة ومناصب المسؤولية.
وكان التناوب الذي قاده اليوسفي فرصة للانفتاح على مختلف مكونات المجتمع المدني، في هذا الصدد يقول الأستاد الكروي “إن ما يميز المبادرات الرائدة التي كان فيها الأستاد عبد الرحمان اليوسفي مصدرا وفاعلا وحريصا شخصيا على تطويرهما، هي تلك المتعلقة بالتأسيس لعلاقات دائمة مع فعاليات المجتمع المدني العاملة في مجال العمل الاجتماعي والتضامني ومع أهل الثقافة والفن ومع الشباب”.
كما شهدت الفترة مشروعا هاما للإنصات للشكايات ولنبض المجتمع، وهو ما سمي بديوان المظالم. من جهة أخرى؛ كان اليوسفي يحمل هما كبيرا للشأن الشبابي، ليس من أجل إخماد الإحتقان الإجتماعي، وإنما إدراج مفهوم جديد لتدبيره ضمن سياسة تتوخى البحث عن حلول نوعية مبتكرة لمعالجة أزمة إنتاج النخب السياسية والإدارية… واعتبر الرجل أن حكامة الشأن الشبابي هو الطريق للإجابة على التحدي، وهو ما تميز بتعبئة وطنية قادها اليوسفي لمشاركة المغرب في المؤتمر الدولي للشباب ، وإحدا ت منتدى الشباب المغربي للألفية الثالثة، والإستثمار في أهداف الألفية ،ولعل حضور اليوسفي في الأنشطة التي نظمت في هذا الصدد خير دليل على ذلك، ومن جانب ﺁخر كان اليوسفي يحمل هما ثقافيا وله تقدير وعلاقات وطيدة مع أهل الفن والإبداع، وكذا علاقته بمفكرين مغاربة، والدليل ; يعود إلى افتتاح المؤتمر الخامس عشرلإتحاد كتاب المغرب سنة 2001، ونجاح المؤتمر الذي عنونته جريدة الاتحاد الاشتراكي ب” المثقف والسياسي ينتصران للمستقبل” .
وفي المجال الدبلوماسي أبان اليوسفي عن حنكة كبيرة في الدفاع عن قضايا الوطن خاصة الوحدة الترابية.
وأمام كل هذا كانت مرحلة التناوب في جزءها الثاني بدأت تعرف بعض التشويش، تارة لإفشال التجربة وتارة أخرى للحد من فعاليات الإصلاحات الكبرى، بل والركوب على نتائجها لمصالح أخرى، وهو ما اصطلح عليه اليوسفي ببراعة ب “جيوب المقاومة ” وفي مذكراته يعرف اليوسفي جيوب المقاومة “كل من تمكن من بناء مصالح أثناء العهود السابقة ولا يزال يرى في التغيير وفي التجديد لمركزه الإقتصادي أو مركزه السياسي تهديدا له” وفي ذات السياق يقول الأستاد الكراوي “مقاومة تجربة التناوب تشكل خطيئة كبرى تولدت من سوء تقدير”.
لتأتي اللحظة التي ترجمت في أدبيات اليوسفي ب”الخروج عن المنهجية الديمقراطية” بكون حزب اليوسفي احتل المركز الأول في انتخابات 2002 وتم تعيين ادريس جطو وزيرا أولا ; وكما يقول مالكوم اكس “على الوطنية أن لا تغمض أعيننا عن رؤية الحقيقة فالخطأ خطأ بغض النظر عمن يفعله أو يقوله “ولهذا قد نفهم من مفكر مغربي أنطولوجي كعبد الله العروي في خواطر الصباح ; كيف سدد بعض من الدين العاطفي، يتأكد ذلك أن العروي لم يبتلع تعيين إدريس جطو مكان اليوسفي، وقبل ذلك وضع العروي في أحد حواراته أن هناك مقياسا واحدا لنجاح التجربة ; هو تعيين الوزير الأول من الحزب الذي سيفوز في الإنتخابات، وحدس العروي كان حقيقيا باعتباره مفكر لا يهتم بالجزئيات بل يرسم المعالم الكبرى. لنتساءل ماذا لو استمر اليوسفي في المرحلة الثانية ؟ ماذا لو فهم الاتحاديين تحذيرات العروي بقبولهم المشاركة في حكومة جطو؟
في السياسة يصعب إيجاد أجوبة ومبررات لكل الأسئلة، لكن اليوسفي جعلنا بما قدمه أن لا نحمله أكثر من طاقته، مادام أن تلك المرحلة التاريخية على حد قوله “انتصرت فيها المصلحة العليا للبلاد” ومن هذا المنطلق لم يكن دافعنا في هذه السطور الدفاع وإصدار الأحكام بل التروي،لأننا أمام رجل أبان التاريخ أكثر منه ; أنه رجل استثنائي ولعب دورا حاسما في تاريخ بلده بفعل وطنيته، وحنكته والتزامه السياسي الصادق و أخلاقه الحميدة، وجهده لخدمة الصالح العام، لأنه كما يقول جون استيوارت ميل “قيمة الدولة على المدى الطويل هي قيمة الأفراد الذين تتكون منهم” وعبدالرحمن اليوسفي واحدا من هؤلاء، ومن واجبنا كباحثين ووطنيين، الإقتداء بالرجل والإعتراف بجميله، لكن الأهم أن نجعل من نموذجه فرصة لرسم معالم المستقبل، وإرساء نموذج تنموي جديد وتطوير وسائط جديدة بين الدولة والمجتمع، وإشاعة ثقافة الوطنية والمواطنة و الإعتراف خاصة أمام تحديات إقليمية، ونحن على أبواب من الإنتخابات التشريعية، لكي لاتتكرر الأخطاء و نجعل من درس عبد الرحمن اليوسفي، درسا للديمقراطية لا الخروج عنها.
(*) أستاذ باحث