هل المطالبة بهيئة مستقلة لتنظيم الإنتخابات في المغرب مطلب قابل للتنفيذ؟

بقلم: عمر المصادي

تعتبر الإنتخابات من أبرز أركان الديمقراطية ووسيلة أساسية لتجديد المؤسسات وضمان تمثيلية الشعب، ومن هذا المنطلق، يبرز بشكل متكرر مطلب إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الإنتخابات، باعتباره وسيلة لتعزيز الشفافية، وتحقيق الثقة في العملية الإنتخابية، وضمان نزاهتها.
لكن، هل هذا المطلب مشروع وقابل للتنفيذ في السياق المغربي؟ وما هي القدرات اللوجستيكية المطلوبة لإنجاح مثل هذه الهيئة؟ وهل المغرب قادر في الوقت الراهن على تفعيل هذا الخيار؟

من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أن المطالبة بهيئة مستقلة لتنظيم الإنتخابات مطلب مشروع ومفهوم، يتماشى مع تطلعات الديمقراطية، ويستجيب لرغبة فئات من المجتمع المغربي في رؤية الإنتخابات تدار بعيدا عن أي تأثير سياسي أو إداري قد يمس بمصداقيتها.

إلا أن إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الإتخابات يتطلب توفير قدرات لوجستيكية كبيرة، نذكر من بينها:
– بنية تحتية تقنية حديثة:
أنظمة إلكترونية متطورة لتسجيل الناخبين، وضبط اللوائح، وتتبع مكاتب التصويت، وإعلان النتائج بشكل دقيق وآني.
وسائل لحماية المعطيات الشخصية وتأمين المعلومات الإنتخابية.
– موارد بشرية مؤهلة:
تكوين وتوظيف طواقم تقنية وإدارية، سواء على المستوى المركزي أو الجهوي أو المحلي، مع القدرة على التدخل بكفاءة في مختلف مناطق المملكة.
– إمكانات مالية ضخمة:
الهيئة بحاجة إلى استقلال مالي وميزانية كافية لتغطية كل مراحل العملية الإنتخابية، من الإعداد إلى التنفيذ والتقييم.
– تنسيق أمني ولوجستيكي مع باقي المؤسسات:
الحفاظ على حيادية وسلامة الإنتخابات يفرض قدرة على التنسيق مع الأجهزة الأمنية، ومختلف السلطات، دون أن تخضع الهيئة لنفوذها.

لكن بالنظر إلى القدرات الحالية للمغرب، ورغم التطورات الإدارية والرقمية التي عرفتها الدولة، فإن إنشاء هيئة مستقلة بشكل شامل قد يواجه عدة تحديات ميدانية ومؤسساتية، خاصة في ما يتعلق بتغطية التراب الوطني، وضمان الإحترافية في كل مرحلة من مراحل الإقتراع.

ومن هنا، فإن الإبقاء على إشراف وزارة الداخلية على الإنتخابات، مع تعزيز آليات الرقابة والشفافية، يبدو خيارا أكثر واقعية في الوقت الراهن، فوزارة الداخلية، بما تملكه من تجربة وإمكانيات لوجستيكية وبشرية، قادرة على تنظيم الإنتخابات بكفاءة، شرط توفر الإرادة لضمان النزاهة، وتفعيل الرقابة البرلمانية والقضائية والمجتمعية، تنفيذا لتوجيهات جلالة الملك نصره الله، التي تؤكد دوما على ضرورة صون الاختيار الديمقراطي كخيار دستوري لا رجعة فيه.
كما أنه يتقاطع أيضا مع ما جاء في عدد من التوجيهات الملكية السامية، التي تؤكد في كل مناسبة انتخابية على ضرورة تعزيز مصداقية الإنتخابات، وتكريس مبادئ النزاهة والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كركائز أساسية لدولة القانون والمؤسسات.

إن المطالبة بهيئة مستقلة لتنظيم الإنتخابات في المغرب تبقى مطلبا ديمقراطيا مشروعا، لكنه يصطدم حاليا بضرورة توفر شروط لوجستيكية ومؤسساتية معقدة. وبالنظر إلى القدرات الممكنة في السياق المغربي، فإنه من الأفضل في المرحلة الحالية أن تستمر وزارة الداخلية في الإشراف على الإنتخابات، مع الحرص على تطوير آليات الشفافية والرقابة، إلى حين تهيئة الظروف الكاملة لقيام هيئة مستقلة قادرة فعليا على إدارة هذا الإستحقاق بكفاءة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق