يا ليته كان ترابا ليدوسه مشعل

بقلم: لحسن الجيت

لست أنا الذي تقيأت هذا الكلام، بل يعود إلى صاحبه وهو ذلك الذي يرى في نفسه مفكرا إسلامياوداعية  يدعو الناس إلى الإيمان بالله وبرسوله وإلى قيم ديننا الحنيف التي تكرم الإنسان ولا تحظ من شأنه. إنه المقرئ أبو زيد الذي تمنى أن ينبطح كل الانبطاح لعبد من عباد الله ويمشي ترنحا فوق جسده لعل تلك العبودية قد تغدي فيه مشاعر الفخر والاعتزاز. إن كان هذا هو دينك فهو دين لا علاقة له بمختلف الديانات السماوية وأن الإسلام براء منه. ديننا الحنيف جاء في المقام الأول ليحارب العبودية “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.

كيف ترضى لنفسك أيها المحسوب علينا نحن المغاربة أن تفرش ذاتك ليمسح فيها مشعل أوساخ أحذيته. على عهد فرعون لم يسجل هذا الإذلال كله . فكيف لك اليوم أن تحشر نفسك وكأنك في يوم الحشر تسأل أمام هذا العبد الذي تريد أن ترفعه بعبادتك له وخنوعك تحت أقدامه إلى مصاف الأنبياء والرسل، وهو إثم وجرم في حق الدينوفي حق البشرية. فخير الأنام وسيد الأنبياء محمد عليه السلام حينما وافته المنية خرج أبو بكر الصديق ليخاطب المسلمين ويقول فيهم ” من كان يعبد محمد فمحمد قد مات ومن كان يعبد الله فهو حي لا يموت”.

هل بعث فينا اليوم خالد مشعل ليخلف الأنبياء والرسل ويحظى منك بهذه المعاملة التي تذل المغاربة. ما حمله إلينا أجدادنا من ديننا الحنيف وترسخ في وجداننا إلى أبد الآبدين أننا نحترم القبور ونخشى أن نمشي فوقها. فكيف لك أن تبعدنا أيها الداعية عن هذه القيم المغربية والأخلاق التي ورثناها عن السلف الصالح.

إذن، هل نحن أمام حملة يراد بها مناصرة القضية الفلسطينية أم نحن أمام حملة يراد بها تدمير الهوية المغربية؟؟ لعل السيناريو الذي يجب أن نقرأه جيدا وهو أن هؤلاء الذين يسكنون تحت أضلعنا هم فصيل من جماعة الإخوان المسلمين يتمظهرون بشتى المظاهر كما تفعل الحرباء. قد تقول عنهم مغاربة فيما بدا لك من جثث لكن عقولهم وقلوبهم شتان بينها وبين الوطنية الصادقة.

جماعة مستلبة فكريا لها الإحساس بالدونية تجاه كل ما هو آت من المشرق. يحاولون طمس الهوية المغربية القائمة على التعدد ويمحون تاريخ المغرب بتقزيمه بما يلائم عروبتهم وبما يخدم أجندتهم. في هذه الثقافة التي تتبناها جماعة التوحيد والإصلاح الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية، ينبغي فهم الخرجات المذلة للمقرئ أبو زيد وكذلك الحال بالنسبة لما قالته لنا دموع السيد عبدالإله بنكيران.

الأمين العام لحزب العدالة والتنمية كان بدوره خير معبر عن ذلك الاستيلاب الفكري وإعجابه بكل ما هو آت من المشارقة. ففي حمأة الحرب الدائرة بين إسرائيل وحركة حماس أظهر السيد عبد الإله بنكيران ذلك الإعجاب الكبير بميليشيات تلك الحركة وقال عن عناصرها بأنهم أبطال لم تنجب الأرحام أمثالهم من قبل وهو يخجل من نفسه أمام بسالتهم مشددا على أنه لم يشهد أناسا يقارعون بأجسادهم الدبابات الإسرائيلية. ويجزم بأنها مقاومة غير مسبوقة في التاريخ. وادعى أنه لا يفرق بين الفلسطينيين لكن حماس أنارت له الطريق.

وأن تعطلت ذاكرة السيد بنكيران ومعه صنوه المقئ أبو زيد وأصابها ما أصابها من ترهل أو هكذا على الأقل يفهم، فإننا نحن هنا لنعيد تنشيطها. فالمقاومة التي نريد أن نحيلكما عليها هي جزء من تريخ بلدكما. فلا تنسواأو لا تتعاموا. فهل أنجبت أمتكم التي تومنون بهاأمثال أولئك المغاربة الذين حرروا مسجد الأقصى من الصليبيين في عهد صلاج الدين الأيوبي الكردي. فهل يقاس مشعلكم هذا بنعل آخر مقاتل مغربي شارك في تحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين. تاريخ وجب أن نذكركم به كما تشهد عنه اليوم الأوقاف المغربية وكذلك الإسم الذي أطلق على أحد أبواب باحة المسجد وهو باب المغاربة ولم يسمى بباب الفلسطينيين. خذوا العبرة من التاريخ عوض تأليهكم لمن لا يستحق.

 بطل مغربي آخر لا يرقى مشعل إلى مكانة التراب الذي يمشي عليه هذا الأمازيغي بطل من طينة  طارق بن زياد الذي أحرق سفن جيشه بعد أن خطا الخطوة الأولى على خارطة أوروبا ليقطع الشك باليقين بأنه عازم على نشر الإسلام ولا شيء يحول بينه وبين إرادته الصلبة  إلى أن وصل إلى جبال البرانس. الفتوحات التي خاضها هذا البطل الأمازيغي ليس لها نظير فقد قهر جحافل جيوش الصليبيين في عقر دارهم وتغلب عليهم جميعا لرفع راية الإسلام. الرجل كان شديد الإيمان زاهدا ولم تغره الحياة ولا متاعها كما غرت معبودكم خالد مشعل. أين هذا الأخير وأمثاله من ذاك فلا مجال للمقارنة.

تاريخ المغرب يشع برجاله وهذا يغنينا أن نقترض رجالا من حياة أمم  وشعوب أخرى للتماثل معهم. فالأصل هم الذين كانوا يتماثلون مع رجالنا لأنهم كانوا القدوة وليس العكس. فنون القتال التي ابتكرها عبداكريم الخطابي تدرس اليوم في المعاهد العسكرية في مختلف بقاع العالم. فنون قتالية مغربية استأنست بها مقاومات في أمريكا للاتينية وفي الفيتنام ضد القوات الأمريكية. فليس من السهل على رجل من طينة عبد الكريم الخطابي، وهو على بساطته وتواضعه وقلة إمكانياته،لكنه قوي بفراسته وعزيمته، أن يلحقللجيشين الفرنسي والإسبانيمعاولجنرالاتهما أبشع الخسائر والقتلى  في صفوفهما.

والتاريخ لم يتوقف عند هذا البطل ولن يتوقف. فالمغرب بلد ولاد ومفرخ للأبطال في كل المجالات وهم في الوطنية يتنافسون ومن أجل الوطنية يضحون. فلكم أن تأخذوا الدرس في الإيمان والشهادة أيها الإسلامويون من موحى وحمو الزياني ومن عسو بسلام أبطال قهروا الاستعمار في جبال الأطلس في معركة الهري وفي معركة بوغافر التي شهدت بسالة قبائل آيت عطا ومقاومة آيت بعمران في سيدي أفني. ولكم أيضا أن تتعلموا الدرس في الوطنية والاستشهاد من البطلين علال بن عبدالله ,ايقونة الفداء الذي زين لائحة الشهداء محمدالزرقطوني.

هذا هو تاريخ بلدك، أما حاضره فلا يعنيك في شيء. أنت تنام قرير العين متأبطا سبعة ملايين سنتيم كل شهر وتدفئ بها أضلعك وجنباتك، والرجال الأشاوس المرابطون في تخوم الصحراء  يعانون من لفحة برد صحراوي قارس لا تفارق محياهم كما هي الرمال التي تدمع عيونهم وهي ليست بدموع النفاق والشقاق. كل ذلك لا يستحق منك أيها الرجل التفاتة ولا أن تذكر ببطولاتهم التي حمتك وحمت المغاربة على مدى نصف قرن. هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون وليس أولئك الذين تتمسح بهم ويسجد لهم أتباعك التابعون.

وأن كنا نذكركم بهذه الحقائق التاريخية، فإنه من واجبنا أيضا أن نذكرك بالفساد الذي جاءنا من عند الأمويين تحت غطاء الإسلام وهي تلك الرسالة التي أرسلها الخليفة هشام بن عبدالملك إلى واليه على بلاد الأمازيغ يدعوه فيها توخي الدقة في اننقاءالأمازيغيات. أخجل من نفسي أن أعرض على القراء المحترمين  نص الرسالة وما تنطوي عليه من خبث وفحشاء.

ولذلك، فإننا نريد منكم صحوة الضمير. فالوطن هو أسمى من أية مساومة انتخابية كانت أم سياسية عند تبنيكملأجندات خارجية. وفي هذا الصد نقول إننا لسنا مع الذي يقول “كلنا إسرائيليون” ولسنا كذلك مع من يقول “كلنا فلسطينيون” لكي ننبطح لهم ونؤازر قضيتهم على حساب قضيتنا. بل وجب علينا جميعا أن نرفع شعارا واحدا لا ثاني له وهو “كلنا مغاربة وراء ملكنا”. شعار نفتح به القوس وبه نغلقه. سؤال أطرحه عليكم وعلى من يريد أن يخذل الوطن” لماذا أقمتم الدنيا ولم تقعدوها ضد من قال “نحن كلنا إسرائيليون”ولم تحركوا ساكنا ضد من قال “يا ليتني كنت ترابا ليمشي فوقه خالد مشعل”؟ الجواب أتركه لكم إلى حين أن يأتيكم اليقين حيث لا مال ولا بنين. واعلموا أن حب الأوطان من الإيمان.

تعليقات (0)
اضافة تعليق