بقلم: د. عثمان العمراني
المناضل الذي كان، والمعارض الصلب الذي ولى، لم يعد ينادي بالعدل، ولا ينتقد النظام ولا الحكومة. كنا نقسم بأغلظ الأيمان أننا لن نبدل ولن نبيع مبادئنا مهما كان.
ثم أنه باع وبدل وغير رقم الهاتف كما لو أن الأمر كان يتعلق بلعبة التخفي، يتقمص فيها المناضل الصلب، دور الممثل البارع الذي قام بغواية محبيه ومناصريه، بمجرد أن (قطع الواد ونشفت رجليه)، يا للهراء، كم هذا كئيب وأنت تراجع دفاترك!
إن التغيير الذي يحصل عادة للمناضلين ( مجازا) نتاج واقع طبيعي لحالة غير طبيعية تمر منها الحال النضالي بالمغرب، باعتبار أن غالبية النضال، أو المناضلين ليست رغبتهم مبنية على برنامح واضح وعام، بقدر ما هو، نضال شخصي محض محصور في ملف يتعلق بالمناضل نفسه، ينتهي حين يقع هناك حل للمعني بالأمر.
فالنضال هنا لم يكن نضالا بالمعنى الذي نعرفه، أو معارضة جماعية هدفها التغيير بما يريده المجتمع، بل نضال مبني على تغرير الأحبة ومساندة الغيورين، واجترار مصطلحات كبيرة، بمسوغات كونية، وبطريقة خبيثة ريثما يتم المرام ويتحصل الهدف
ليتحول (المناضل) السابق متخليا عن كل ما كان يدافع عنه ويجيش له المناصرين والمؤيدين بلا حدود، منتقدا الدولة والنظام، بينما المناصرين ينظرون إليه بإعجاب وإجلال، في موقف بليد غبي!
إن التحول الفجائي، في الإنتقال من صفة مناضل إلى متهافت، بل ومهاجم لأصدقائه القدامى، ولرفاق دربه الذين وقفوا لجنبه، بل منهم من يأدي الثمن غاليا، لم يكن أبدا حديث اليوم، ولا كان متعلقا بزمان أو مكان. فقضية التحول النوعي، قد يلامس التحول المثلي. الفرق بين الإثنين، أن الثاني قد يكون خلقيا جينيا لا يد لنا فيه، والأول يكون تحوله مضمرا منذ البداية لا دواء له، لأنه يتعلق بالتوجه الحقيقي للنفس البشرية.
فالمناضل مهما كانت الإغراآت والضغوطات، فهو يبقى محافظا على موقفه، لا يتغير ولا يستغني عن رقم هاتفه القديم. لأن الأصدقاء القدامى، والرفقاء الذين ساندوه زمن الحسرة وكانوا سببا أساسيا في ما تحصل عليه الآن، لابد يحرجونه بنظرة منهم، ولو بالصمت في وجهه حين لا ينطقون بأيت كلمة، بعدما كانوا يعولون على اكتساب موقف مشرف.
في التاريخ، نماذج كثيرة ومتعددة، لأناس اعتقدهم، الأتباع أحرارا مناضلون، لكنهم لم يكونوا سوى مستغلون لوضع استعملوه لصالحهم ليس إلا. وإن أردنا عد مثال واحد من تلك الأمثلة التي كانت فيه الخيانة بطل من الأبطال، سنذكر الخيانة التي تعرض لها المسيح عيسى عليه السلام من أحد حواريه في نفس الليلة التي تمت المؤامرة عليه.