بشائر حرق مصحف

بقلم: مسرور المراكشي

ربما قد يتسائل البعض عن مافي حرق المصحف من بشارة، وهذا أمر عادي ومنطقي كذلك، لأن رد الفعل التلقائي النمطي والمألوف، هو اعتبار هذا الفعل فيه إهانة للإسلام والمسلمين، ثم تليه بعد ذلك الإدانة والإستنكار، مع الدعوة لمقاطعة بضائع الدولة المعادية، كل هذا مطلوب وجيد كرد فعل أولي، لكن يجب أن ننظر أبعد من ذلك بكثير، لهذا أدعو إلى التأمل جيدا في الحدث من الزاوية الحضارية، وأنا متأكد أن الأمر يستحق المحاولة، لكن قبل الخوض في موضوع حرق المصحف، يجب الإشارة إلى ملاحظة جد مهمة، أولا : – هل المسلمون في حرب مادية مفتوحة مع السويد أو مع الدنمارك ..؟ ثانيا : – هل السويد أو الدنمارك عندهم حدود مشتركة مع دول مسلمة ..؟ الجواب ليست هناك حرب و لا حدود مشتركة بين الطرفين، إذن فلماذا هذا العداء كله للقرآن ولنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم ..؟ ببساطة إنها حرب حضارية واضحة المعالم، لأن الصراع هنا لم تستعمل فيه طائرة أو دبابة ولا صواريخ، فقط (حرب) تمزيق وحرق لكتاب مقدس عند المسلمين، ثم نشر رسوم مسيئة لنبي المسلمين محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه حرب على قيم وأفكار حفظت في القرآن وجاء بها نبي الإسلام ، لهذا أظن أن رد فعل السويد والدنمارك على هذه الأفكار، كان سطحيا و ينتمي لعصر الظلام والهمجية، لقد كان عليهم مواجهة الفكر بفكر آخر مضاد ، بدل حرق كتاب أو رسم صور ساخرة لنبي الإسلام، وهذا يشبه من يحطم جهاز ( راديو) لانه غير مقتنع بما يبث من برامج وأفكار، حيث يظن هذا الأحمق أنه قد قضى على هذه الأفكار بهذا الفعل، لقد وقع حدث طريف في القرن الماضي له علاقة بهذا الموضوع، لقد قال رئيس الوزراء البريطاني (جلادستون) في مجلس العموم البريطاني بعدما حمل القرآن بيده : – (إننا لا نستطيع القضاء على الإسلام والمسلمين ، إلا بعد القضاء على ثلاثة أشياء : الحج – صلاة الجمعة – وهذا الكتاب ، فقام أحد الحاضرين يريد تمزيق القرآن، فقال: – ( ما هكذا أريد يا أحمق ، إني أريد تمزيقه في قلوبهم و تصرفاتهم)، ويقول أيضا : مادام هذا القرآن موجود بأيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق ) ، إنتهى كلام رئيس الوزراء البريطاني المخادع ( جلادستون ) ، وهكذا نفهم جذور الصراع و نضع قضية حرق القرآن في هذا السياق ، ولكم البشارة الأولى: إن حرق المصحف هو مؤشر على بلوغهم درجة عالية من اليأس، لقد قال الله عزوجل (..اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم و اخشون..)، وعندما يصل الأعداء إلى مرحلة اليأس فذلك جيد، لهذا كان تصرفهم بهذه السطحية والسذاجة، إن العدو يفقد التركيز و التوازن و يصبح تصرفه عشوائي، وهذا بلا شك مفيد للأمة ، فقد تكون بداية التراجع الحضاري، لأن الحضارة ليست هي مجرد بنية تحتية راقية، ولا هي تكنولوجية رقمية أو ارتفاع مستوى دخل الفرد.. ، هذه مدنية والتحضر له علاقة بمستوى الفكر والقيم التي يحملها الإنسان، لهذا نقول هذا تصرف حضاري أو هذا تصرف همجي غير متحضر، إذا قمنا مثلا بجولة سياحية فوق عاصمة السويد على متن طائرة، قد نجد بنية تحتية جد متقدمة طرقات قناطر مطارات موانئ .. ، لكن الإنسان السويدي لن تستطيع تميز تصرفه عن الحيوان، هناك زواج المثليين و قانون يحمي المتحولين جنسيا ، فلا يمكنك حتى القول مثلا هذه أنثى أو هذا ذكر ، إلا عند موافقة المعني بالأمر..!! ، أضف إلى ذلك حرق كتاب و تمزيقه لأن فيه أفكار، قد تكون مخالفة لما يعتقد بعض السويديين، و كذلك محاربة فكر رجل قد غادر الدنيا منذ 1444 عام ، البشارة الثانية : – عجز العدو عن تمزيق علاقة المسلمين بالقرآن و تعلقهم به ، ولم يستطع محو حب النبي الكريم من عقولهم و قلوبهم ، وهذا ما أراد فعله رئيس الوزراء البريطاني الماكر ( جلادستون) في القرن الماضي ، حيث وصف الغبي الذي أراد تمزيق القرآن ب (الأحمق ) ، و عليه يمكن تعميم هذا الوصف المناسب اليوم على أصحاب هذه الأفعال المشينة ، فمثلا هناك صحيفة فرنسية معروفة بنشر رسوم مسيئة لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ، وكذلك رسام كاريكاتير دنماركي و من يحرق المصحف كذلك في السويد ، إنهم مجموعة من الحمقى يريدون إطفاء نور الفكر ، إن تصرف الأعداء بهذه الطريقة العنيفة و السطحية ، يجعلهم في موقف تراجع و دفاع ، نظرا لضعف الأفكار التي تحملها النخبة منهم ، لقد تساقطت قيم هذه الدول عند مواجهة فكر وقيم القرآن والسنة ، البشارة الثالثة : تفوق الشعوب المسلمة المتحضرة ، على شعوب النصارى من خلال تصرف كلا الفريقين و ردود أفعالهما ، لقد ظن السويديون و الدنماركيون ومن والاهم ، أن الشعوب المسلمة ستقابل هذا الفعل برد مشابه ، لكن تحضر الشعوب المسلمة منعها من مقابلة التصرف بمثله ، فلم يقم أي مسلم بحرق الإنجيل أو تمزيقه أو حرق التوراة و تمزيقها ، ولم يقم أي فنان بنشر صور مسيئة للأنبياء اليهود والنصارى ، كذلك لم يقم المسلمون بحرق كنيسة أو معبد ولا قتل راهب ، إنها قمة التحضر والرقي في التعامل مع الأخر ، و هذا هو معيار تحضر الشعوب في ميزان القيم ، دعك من الأمور المادية فلا يمكنها صنع إنسان متحضر ، أن يكون لك مثلا رصيد بنكي ضخم – أو سيارة فاخرة – أو الساعة ثمينة… ، كل هذا لا يعني أنك ستصبح متحضر بشكل تلقائي ، لقد وصف الله النبي الكريم بحسن الخلق حيث قال : (..و إنك لاعلى خلق عظيم..) ، ” إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإنهم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ” ، إن انهزام أوروبا في ميدان القيم ، هو مؤشر على بداية انهيار هذه الدول و تراجع نفوذها ، وذلك على المدى المتوسط والبعيد ، لأن التفوق في الميدان التكنولوجي العسكري ، لن يدوم طويلا فهي مسألة وقت لاغير ، فهناك العديد من الدول بدأت تصنع أسلحة جد متطورة تضاهي ما عند الغرب ، و تفوق ( الناتو ) لن يدوم طويلا… لأن كما يقال (القوي لا يبقى قويا والضعيف لا يبقى ضعيفا ) ، وكما يقول المغاربة كذلك ( دوام الحال من المحال ) ، في رأي يجب النظر إلى حادث حرق المصحف ، في إطار التدافع الحضاري بين الأمم ، لقد طرحت في هذا المقال
هذه البشائر الثلاث ، وهذا ما فهمت من حوادث حرق المصحف ، التي تتكرر في دول النصارى وكذلك نشر رسوم مسيئة لنبي الرحمة ، كل هذا تحث ذريعة حرية التعبير المفترى عليها ، إنهم منافقون حيث لا يستطيعون التشكيك في رواية المحرقة ، ناهيك عن السخرية منها و نفي وقوعها أصلا … إنها حرية التعبير في اتجاه واحد ..!!
ملاحظة:
الرجاء عدم نشر المقال فقط للإطلاع الشخصي… هناك من يتبنى المقال ولا يكلف نفسه حتى ذكر المصدر… قلة الأمانة وعليه لا تنشره فقط هذا خاص بك وحدك تحياتي.

تعليقات (0)
اضافة تعليق