حدثني الغريب

بقلم: رشيد السليم
حدثني أحدهم قال: حدثني الغريب فقال: إذا تكالبت النائبات عليك فإن كيس القمامة السابح في الجو لن يجد له مستقرا إلا على مرسى وجهك، وسوف تَسْلَح عليك الطيور بمهضوم بطونها، ولن يشعر بقلقك أحد غير الكلاب الضالة؛ لتتعزز لديها غريزة النباح ومطاردتك، تضاهيها في ذلك بعض الكائنات من بني البشر الذين ينتهزون الفرصة لإطلاق العنان للهجة الاستعلاء المكبوتة في نفوسهم، فكلاهما سينبح وكل حسب خصائصه الفيزيولوجية.
صدقني يا هذا: سوف يكثر اللئيمون واللائمون الذين يلجون الكلام بمفتاح النصيحة؛ وغايتهم الاطمئنان على حسن اختياراتهم هم بإثبات سوء تدبيرك أنت، سوف ترفع رأسك للسماء من غير قصد كما تفعل الدابة المشتكية، فيرون فيك رفعة ما أصابوها، ثم يداوون أنفسهم المريضة بكل أساليب التشفي، سوف تشك في كل شيء؛ في وجودك وماهيتك، في قدراتك وفي قدَرك، في ما يوجد حولك وما يطويه مستقبلك، لن يصدّق غيرك أنك اتخذت بالأسباب لتكون في موقفٍ غير الذي أنت فيه، سوف تؤاخَذ بأنك لم تتابع السير وقد هدّك الحبو، سوف يسقي المنافقون الورد أمام عينيك تظاهرا بحب الطبيعة والجمال، ونكاية فيك لأنهم يدركون حاجتك إلى ذلك الماء، سيتم تهديدك بإعادة تربيتك إذ أنت لمحت إلى أن ذلك عمل غير إنساني.
سيتبين لك أن داروين لم يكن يخطر له على بال بأن الإنسان الذي كان قردا في نظره سوف يرى الفضيلة في العودة إلى أصله من جديد، إذ على الرغم من الانتقادات التي تم توجيهها لنظرية الارتقاء، فإن واقع الطبائع البشرية يثبت أن ذلك القرد لم يغادر الجسد الجديد لهذا الحيوان الذي نُعت ظلما وعدوانا بالعاقل، فلا تزال شخصية القرد تنتفض وتناضل لعلها تسترجع سابق شكلها، وذلك من خلال سلوكها ضد بني جنسها، أما في حال كوننا أبناء آدم فسيبدو لك بعد ما وقع بين قابيل وهابيل؛ أننا ننتسب من حيث الطبع إلى ذرية القاتل.
يا هذا؛ لست أدعوك إلى التشاؤم ولا لفقدان الأمل في الخير وقواه، ولكن لا تحمل نفسك ما لا طاقة لك به، قد يرى الجميع أنك ضيعت الفرَص والحقيقة أنها ضاعت منك، قد تسهل الحلول وتكثر في عين غيرك، ولكن الحوت إنما يريد يونس، لاتشغل بالك ببطن الحوت مادامت شجرة اليقطين في الانتظار.
يا هذا؛ لقد رأيت في عينيك الكثير، وحدّثتك بما وثقت بأنك ستفهمني فيه، وإني لأرجو أن أكون قد أرحتك بالكلام مثلما أرحتني بالاستماع، فهلا أخبرتني عنك، تبدو تائها، تبدو غريبا عن مدينتنا، من أين أتيت؟ وإلى أين قصدك؟
قال الراوي: فرفعت رأسي إلى السماء برهة، ثم التفتُّ إليه وقلت: يا هذا؛ يحار الإنسان من أين يبدأ إن هو أراد توصيف حاله ومآله، ومن كانت أذنه سماعة لغيره فسوف يدرك أن الناس جميعا في موفق الهارب من المجهول إلى المجهول.