حين يغيب رجل الدولة.. تحضر الفوضى

بقلم: عمر المصادي
في لحظات التحول التي تمر بها الأمم، يظهر الفرق جليا بين السياسي العادي و”رجل الدولة”. هذا الأخير لا يقاس بكمية ظهوره الإعلامي، ولا بعدد الأصوات التي جمعها، بل يقاس بما يتركه من أثر في بنية الدولة، وفي حياة المواطنين، وفي مسار المؤسسات.
للأسف، ما نلاحظه اليوم في أداء عدد من رؤساء الحكومات وبعض أعضاء فرقهم الوزارية هو غياب مقلق لمقومات رجل الدولة، بل أحيانا استهتار بهذه المسؤولية التي تتطلب وضوح رؤية، قوة تواصل، نزاهة، وقدرة على اتخاذ القرار الصعب.
رجل الدولة لا يفكر بمنطق الحزب أو الولاية أو الحسابات الإنتخابية الضيقة، هو شخص يتحرك بدافع المصلحة العامة، يدرك تعقيدات المرحلة، ويواجهها بكفاءة وهدوء ومسؤولية، أما حين نجد أنفسنا أمام وزراء يتلعثمون في قراراتهم، يختبئون وراء شعارات إنشائية، ولا يقنعون الشارع، فذلك دليل على خلل بنيوي في اختيار النخب.
كيف يمكن الحديث عن النجاعة والحكامة، عندما تسند مناصب حساسة لأشخاص لا يمتلكون الحد الأدنى من التكوين أو التجربة؟ رجل الدولة لا يخشى الكفاءات بل يحيط نفسه بها، أما السياسي الذي يحيط نفسه بالموالين والمطبلين، فغالبا ما يزرع الفشل ويحصد الرفض الشعبي.
وواحدة من أكبر الأزمات التي نعاني منها اليوم هي أزمة التواصل، وزراء ورؤساء حكومات يظهرون فقط في المناسبات، ويتحدثون بلغة خشبية لا تلامس واقع الناس، رجل الدولة ينصت، يتفاعل، يصحح، ويخاطب الشعب بوضوح، حتى في الأزمات، أما أن يدار الشأن العام من خلف المكاتب، فذلك ما يعمق الفجوة بين المواطن والدولة.
لا يمكن أن نثق في مسؤول يطلب من الناس التضحية بينما هو يتساهل مع الفساد أو يتستر عليه، محاربة الفساد ليست ترفا سياسيا، بل أساس دولة القانون، رجل الدولة الحقيقي لا يساوم في هذا الملف، ولا يتردد في إعمال القانون، ولو ضد المقربين.
وفي الأخير يجب التأكيد على أن الشعوب لا تمنح الثقة، بل تكسبها. والمواطنون لا ينتظرون المعجزات، بل فقط أن يحترم وعيهم، وأن تدار شؤونهم بصدق، وكفاءة، وشفافية.
إننا اليوم أمام فرصة تاريخية لمراجعة منطق إدارة الدولة، وإعادة الإعتبار لمعنى “رجل الدولة”، لأن الأوطان، ببساطة، لا تبنى بالشعارات، بل بالرجال الذين يستحقون أن يلقبوا بها.
الرجل السياسي كسائق السيارة، عليه أن يرى أمامه ولكن من حين لآخر عليه أن ينظر إلى المرآة ليرى ماذا وراءه، ولكن إذا قضى وقته وهو ينظر في المرآة التي تريه ما وراءه، اصطدم بشيء أمامه.
“من أقوال جلالة المغفور له الراحل الحسن الثاني رحمة الله عليه”.