رأي في قضية “الأساتذة المتعاقدين”

بقلم: يونس فنيش
إن لم ندافع عن التعليم العمومي في حده الأدنى -نظرا للتحصيل الحاصل- وبأقل تكلفة اليوم، فسندفع الفاتورة غالية جدا غدا عندما ينهار كل شيء كليا و نهائيا بالإنهيار الشامل للقيم. فالتعليم الخصوصي لم يعد حلا ممكنا حتى بالنسبة للطبقة المتوسطة التي شهدت تفقيرا مهولا لحالها عبر سلسلة متتالية من “الإجراءات المفروضة”، إضافة إلى ظاهرة غلاء المعيشة بطريقة غير منطقية. وأما الضرب الفعلي للمعلم وللمعلمة وللأستاذ وللأستاذة أمام الملأ، فهو فعل يضرب عمق الحضارة في مقتل ويفتح باب الجهل والجهالة على مصراعيه.
لما يطالب الأساتذة “الذين فرض عليهم التعاقد” بالإدماج في الوظيفة العمومية، فإنهم لا يطالبون بالإرتقاء إلى طبقة الأغنياء، بل لعل ذلك سيقلص من أجورهم نظرا للإقتطاعات الجديدة التي “فرضت على أجور الموظفين العموميين”، ولكن الترسيم في الوظيفة العمومية يوفر إلى حد ما الدخل الشهري للأستاذة و لا يعلق مصيرهم بمجرد قرار من مسؤول ما، ناهيك عن مسألة التقاعد الشائكة أيضا…
صحيح أن الحكومة قد تواجه صعوبات مالية، ومن الممكن أن لا تكون للحكومة خيارات كثيرة، ولكن كيف يمكن إقناع الناس بأن الأمر كذلك ولو بالنظر فقط إلى عدد سيارات المصلحة في الإدارات العمومية، مثلا وبصفة عامة، وإلى كثير من النفقات الثانوية التي لا توحي أبدا بأن الحكومة تواجه أزمة مالية؟ وافتراضا، حتى لو تبين بالملموس وعلى أرض الواقع للجميع أن هناك أزمة خانقة، فالحكمة تقول أن التشغيل بالعقد من طرف الحكومة أو الدولة يمكن أن يطال جميع الإدارات العمومية ماعدا التعليم، لأن التعليم خط أحمر لأنه أمر يتعلق بأسس الدولة و الوطن والمجتمع، ولأنه أمر يتعلق بالحياة الإنسانية…
لقد كان المغرب، قبل حكومة بنكيران والعثماني، ناجح في معادلة صعبة جدا ألا و هي تحقيق نوع من المساواة لدى مختلف الطبقات داخل الوظيفة العمومية، بحيث كان يوفر توازنا جميلا بين مستوى عيش الموظفين العموميين بطريقة جعلت بركة ربانية تغطي على فارق الأجور بحكم الرتبة أو التراتبية داخل الإدارة العمومية.
نعم، لقد كان من يتقاضى، مثلا، 10.000 درهم ومن يتقاضى 5000 درهم متساويين في مستوى العيش اليومي إلى حد ما، بكل بساطة، مادام الأول يؤدي 5000 درهم للمدرسة الخصوصية لفائدة أبنائه والثاني يسجل أبناءه في المدرسة العمومية بصفر درهم، فيحدث ارتياح واستقرار يضمن تعايشا صحيا على الأقل لدى هذه الفئة من الطبقة المتوسطة. ولكن مع ارتفاع تكاليف الحياة اليومية تبعثر كل شيء…
خوصصة التعليم العمومي في حدود 2./. أو حتى 5./. أمر مقبول، ولكن مع ضمان العودة لمن تدهورت أحواله إلى التعليم العمومي الأصيل كما عهدناه، يعني بأساتذة مطمئنين نفسيا في إطار الوظيفة العمومية و ليس مجرد متعاقدين مع حكومة بنكيران والعثماني…
نعم، لا أحد فرض على هؤلاء الأساتذة الأجلاء التعاقد، ولكن ذلك لا يهم بقدر ما تهم مصلحة الوطن، مصلحة المغرب والمغاربة، أليس كذلك…؟ كما أن مطالب الأساتذة المتعاقدين مع الحكومة و إن بدت للبعض “فئوية” أو حتى “أنانية” في أول وهلة، فإنها مطالب، في الحقيقة و بتأمل موضوعي، تهم جميع المغاربة بدون استثناء…
فأن “يفرض التعاقد” على الأساتذة العاملين في قطاع التعليم العمومي، فهذا لا يثير الإرتياح بتاتا لأن من شأن ذلك أن يزيد من حدة تدهور مستوى التلاميذ. فمهما كان مستوى الأساتذة المتعاقدين مرتفعا فلا يمكن أن ننتظر منهم مردودية فعلية مع وضعهم في مرتبة منخفضة خاصة بالمقارنة مع نظرائهم من الأساتذة المدمجين في الوظيفة العمومية.
إن الناس مازالوا ينتظرون بصبر أيوب آفاقا أفضل تجعل حدا للإرتفاع المهول لتكاليف الحياة، و تزايد الضرائب غير المباشرة، و ربما المباشرة أيضا، ومازالوا ينتظرون الكثير من الإصلاحات في شتى المجالات العمومية التي لها علاقة بالعيش الكريم كالصحة و جودة الخدمات الإدارية، ولكن السكوت عن تدهور و تقهقر و تقعقع وتخلف أوضاع التعليم الذي بات يمثل الأمل الوحيد وآخر قلاع الصبر الصامدة رغم كل الأهوال، فصراحة وجب دق ناقوس الخطر.
سيداتي سادتي، التعليم أولا و قبل كل شيء. حتى لو اقتضى الحال، لا قدر الله، توقيف التوظيف نهائيا و كليا لخمس سنوات فما فوق، في جميع الوزارات التابعة للحكومة من أجل ضمان مناصب كافية لصالح التعليم العمومي في إطار قانون الوظيفة العمومية، لأن الأساتذة المعلمين هم من يصنع الطبيب والمهندس ورجل الأمن والمقدم والقايد والباشا والعامل والوزراء والبرلمانيين… وبطبيعة الحال، كلما كان وضع الأستاذ والأستاذة جيدا كان وضع الوطن جيدا… والله أعلم.