كورونا وبداية تاريخ جديد            

بقلم: حسن حلحول

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى الذي كان الانتصار فيه للحلفاء بقيادة أمريكا،و في خضم هذه الحرب انتصرت الثورة البلشفية في روسيا، و كانت أول دولة شيوعية ظهرت في الوجود بقيادة لينين على مسرح السياسة الدولية لتلعب دور بارز في تحقيق توازن القوة، و قد اكتملت معالمها بعد الحرب العالمية الثانية، نظرا لدور الطلائعي  الذي لعبه الاتحاد السوفياتي في هذه الحرب و الذي يعد من الاسباب الرئيسية  في إيقاع الهزيمة بألمانيا، قد تم قثل أكثر من 20 مليون روسي،  و من نتائج الحرب وأد عصمة الأمم، و بدأت القوى المنتصرة النظر في أحداث منظمة الأمم المتحدة على انقاض هذه الأخيرة، على أساس قواعد لعبة سياسية جديدة، لتحقيق التوازن بين الأطراف الأقوياء و هي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي.

أ) العدو الأحمر:

إن مخرجات التي خرج بها العالم بعد الحرب ونتائجها، هي تقسيم العالم الى المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية  والمعسكر الاشتراكي (الشيوعي) و برزت الثنائية  القطبية، و امتد نفوذ الاتحاد السوفياتي الى المانيا الشرقية حدودها جدار برلين،  والى أوروبا الشرقية  بأكملها، وسمي بالمعسكر الشرقي اشتراكي و بالمقابل المعسكر الغربي رأسمالي.

و كان من تجلياته  بروز الحلف الأطلسي مقابل الحلف الناتو،  و هذا ما أدى الى صراع و تدافع لا مثيل له في تاريخ البشرية بين القوتين العظيمتين و ذلك للسيطرة على  العالم  سياسيا  و اقتصاديا  وثقافيا، و الذي نتج و تمخض في هذا  الصراع الحرب الباردة  وعرفت ذروتها في السباق للتسلح الأرضي منه والفضائي، فشغل العالم كثيرا ا  و بات  الإنسان يصبح و يمسي على أخبارها التي أحدثت ضجة في العالم.

سمي هذا الصراع بالحرب الباردة، لأنه لم يستعمل فيها السلاح، و إنما يكتفي الطرفين بالتهديد كما وقع في بداية الستينيات من كوبا  و بقيت منحصرة في مجال و مستوى الايديولوجي و الاقتصادي و العسكري و  السياسي و الفكري و الرياضي، دامت هذه الحرب منذ سنة 1947  الى 1989 وهو انهيار جدار برلين و في  1991 انهار الاتحاد السوفياتي الذي فكك  الى عدة دول.

فيمكن تقسيم زمن الحرب الى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: من 1947 الى 1953 و بعد وفاة جزيف ستالين الذي قاد الاتحاد السوفياتي بقبضة من حديد بعد صراعه مع التروتسكي، سميت هذه المرحلة بالحرب الزمان الأولى.

المرحلة الثانية:  تبتدئ من 1953 الى 1975 سميت بمرحلة التعايش السلمي.

المرحلة الثالثة: تبتدئ من سنة 1975 الى سنة 1991 و هي الأخيرة لأنه تم إعلان من قبل غور بتشوف بانهيار الاتحاد السوفياتي.

إنه من خلال استقرائنا لهذه الأحداث التاريخية نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية استعملت ورقة العدو الأحمر خلال مراحل الحرب الباردة ، متخذة هذا الصراع مبررا و وسيلة لتحكم قبضتها على العالم، و بالفعل نجحت في ذلك قرابة عقود، و كان من  الثمار التي جنتها هي  صعود الدولار الأمريكي ليتربع على كرسي الحكم على العملات في العالم و من ثم التحكم في الاقتصاد العالمي.

في هذه المرحلة ظهرت دراسات في العلوم الاجتماعية و الإنسانية خلقت نقاشا و جدالا كبيرا في أوساط المثقفين مثل كتاب “نهاية التاريخ” لمؤلفه فوكوياما الذي اعتبر أن الصراع حسم لفائدة النظام الرأسمالي و هو خاتم الأنظمة و لن يكون هناك نظام سيسود و يسيطر على العالم سواه مما جعله يعتبر ذلك هو نهاية التاريخ.

وحتى تبقى القيادة لأمريكا لريادة العالم و قيادته يجب أن يكون هناك عدو مفترض لتجمع العالم حولها، كما فعلت مع العدو الأحمر، و تكون هي الآمر و الناهي فيه، و بدأت رؤيا جديدة تلوح في الأفق، روجت لها الولايات المتحدة الأمريكية فانتظر الجميع ظهور هذا العدو، و من يكن، فكان اللباس الذي لبسوه لهذا العدو هو لباس الأخضر، كناية على أن العدو، هو  الإسلام المتمثل في التيارات الجهادية.

العدو الاخضر:

إن الجميع يعلم أن تنظيم القاعدة ظهر  في أفغانستان في سنة 1987 على انقاض “المجاهدين” الذين جندوا من كل الجنسيات و قادها عبدالله عزام لمحاربة الاتحاد السوفياتي و من المصادر تفيد أن الولايات المتحدة الأمريكية دعمت هذا التنظيم الذي قاده أسامة بن لادن بالمال و السلاح لإيقاع الهزيمة بالسوفيات.

و في 11 سبتمبر 2001 هجمت القاعدة البرجين في أمريكا بواسطة طائرتين، نتج عن الهجوم انهيارهما و هي سابقة في التاريخ، فأعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش لابن  حربا ضروس على التيارات الإسلامية باعتبارها  منظمات إرهابية سميت الحرب على الإرهاب و ظهرت في قاموس العلوم السياسية مصطلحات جديدة كالمقاتل العدو، فألزم العالم أن ينخرط في محاربتها، و قال معنا أو ضدنا، و كانت هي الورقة التي ثم توظيفها لالتفاف العالم حولها و شغل جميع الدول بهذا العدو مثلما فعل مع العدو الأحمر.

و بعد حرب طويلة الأمد قتل اسامة بن لادن و أفل هذا التنظيم ، و ظهر إلى الوجود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق و الشام.

في سنة 2014 و المختزل في اسم داعش على أنقاض تنظيم  القاعدة في العراق الذي تزعمه الزرقاوي الذي بدوره لقى حتفه على يد الامريكين، و من ثم تم الإعلان عن الدولة الإسلامية بعد السيطرة على الموصل في العراق سنة 2017، و بعد مقتل أبو بكر  البغدادي تراجعت داعش و حوصرت و لم يعد لها أي تأثير في العالم.

العدو الاصفر:

بعد قضاء أمريكا على العدو الأخضر في جميع أشكاله و انتهاء ذلك بالفوضى  الذي خلقها الربيع  العربي في الدول العربية، ماذا بقي الآن  لأمريكا حتى تتصارع معه و يكون عدوا لها، هي العدو الأصفر كناية على الصين غير أن الصراع مع هذا الأخير يختلف كلية مع الصراع الذي دار بينها و بين العدو الأحمر كما يختلف جدريا مع الصراع الذي دار مع العدو الأخضر.

فإذا كانت الحرب مع العدو الأحمر دبلوماسية و سياسية، فإن الحرب مع العدو الأخضر كانت تدميرية استعملت فيه جميع أنواع الأسلحة، أما الحرب  مع العدو الأصفر فتظهر إرهاصاتها أنها تجارية محضة، فلا مجال لاستعمال القوة،  أو استعراض العضلات المتمثلة في الأسلحة بشتى أنواعها، تجاه الصين لأنها ليست دولة ضعيفة، فإن لها من الإمكانيات العسكرية تضاهي التي لدى أمريكا، كما لها امكانيات هائلة في جميع المجالات التقينية و التكنولوجية، و البشرية و المالية و الاقتصادية فيظهر أنها الدولة الوحيدة في العالم التي تملك مقومات منافسة أمريكا و في مقدورها إزاحتها من الأسواق العالمية، و يظهر ذلك أن أمريكا دائما تعارض انضمام الصين الى المنظمة التجارية العالمية.

كما حاصرت هاتف هواوي الذي الى الجيل السادس ذات تقنية عالية، فإن هذا الحصار التجاري الذي تحاول فرضه على الصين ينبئ على أن الحرب القادمة هي حرب تجارية قد تتحول في أي وقت الى حرب عسكرية في حالة ما إذا اشتد الحصار على الصين، فمن خلال ما تعرفه الصين من حركية و سرعة أنشطتها التجارية، و قدرة شركائها بالتحرك بسرعة في اكتساح الأسواق العالمية، جعلت الولايات المتحدة تتخوف منها مما دفع الرئيس  الأمريكي دونال ترامب، اتخاد مجموعة من القرارات بفرض العقوبات التجارية و اتخذ الصين عقوبات مماثلة كرد فعل الند بالند، فتابدلوا الاتهامات بينهما حول وباء كورونا مما جعلهم يدخلون في حرب باردة جديدة مما ينبئ ببداية كتابة التاريخ المعاصر أو الجديد تكون بذلك نظرية  نهاية التاريخ لفوكوياما باطلة يفندها تاريخ ما بعد كورونا، يظهر أن الكيفية الذي عالجت و جابهت بها الصين وباء كورونا يجعلها تحتل مرتبة ريادية في العالم و ما قدمته للعالم من مساعدات طبية و خبراتية، و تراجعت الولايات المتحدة عن القيام  بهذا الدور الذي من المفروض القيام به، تكون الصين بذلك قد سحبت البساط من تحت اقدام الولايات المتحدة بالرغم من الحرب التجارية التي تفرضها عليها. كما أن الصين حضت باحترام واسع من قبل المتتبعين و العالم باسره عندما اهتمت بالانسان الصيني قبل كل شيء و فضلت حياة الناس على التجارة في الوقت الذي مازالت الولايات المتحدة تهتم بالتجارة و المال و الاقتصاد بدلا من الاهتمام بحياة الناس، إنه تاريخ 2020 هو بداية ظهور نظام عالمي جديد قوامه النزعة الانسانية والقطيعة  مع الفردانية و الغطرسة.

اترك رد