ماذا لو أصبح المطر قاعدة لا استثناء
بقلم: سعيد عاتيق (.)
لم تعد الأجواء الماطرة التي يعرفها المغرب في الآونة الأخيرة حدثا عابرا أو استثناء موسميا، بل مؤشرا واضحا على تحول مناخي يفرض نفسه ببطء، لكنه بثبات. فالتقلبات المناخية، بما تحمله من أمطار غزيرة في فترات وجيزة، ورياح قوية، وانخفاض مفاجئ في درجات الحرارة، لم تعد مجرد توقعات علمية، بل واقعا ملموسا يطرق أبواب المدن والقرى معا
والسؤال الجوهري اليوم ليس: هل هذه الأمطار نعمة أم نقمة؟
بل: هل نحن مستعدون إذا أصبحت هذه الأجواء قاعدة مستمرة في الزمن؟
المطر ليس المشكلة… بل طريقة التعاطي معه
المغرب بلد اعتاد لعقود طويلة على مناخ شبه جاف، وانعكس ذلك على سياساته العمرانية، وشبكات تصريف المياه، ونمط البناء، بل وحتى على الثقافة المجتمعية في التعامل مع المطر. غير أن استمرار التساقطات القوية يفضح هشاشة هذه الاختيارات، ويكشف أن الخطر لا يكمن في الأمطار ذاتها، وإنما في ضعف الاستعداد وغياب الاستباق.
فيضانات مفاجئة، انهيارات جزئية، انقطاع الطرق، أحياء غارقة في المياه… مشاهد تتكرر، وغالبا ما تختزل في بلاغات مطمئنة بعد وقوع الضرر، بدل أن تكون منطلقا لمراجعة عميقة للسياسات العمومية.
أي احتياطات يفرضها المستقبل القريب؟
أول الاحتياطات تبدأ من البنية التحتية، حيث لم يعد مقبولا استمرار شبكات تصريف صممت لواقع مناخي تجاوزه الزمن. فمراجعة القناطر، والأنفاق، والطرق، وتقوية قدرتها على تحمل السيول، لم تعد ترفا تقنيا بل ضرورة لحماية الأرواح والممتلكات.
أما في مجال التعمير والسكن، فإن استمرار البناء في مجاري الأودية والمناطق المعرضة للخطر يمثل مقامرة مكلفة. كما أن تأجيل معالجة السكن الهش، وترك آلاف الأسر في مناطق منخفضة ومعرضة للغرق، يجعل الدولة في موقع المتفرج على كارثة قابلة للتكرار.
وفي القطاع الفلاحي، تفرض التقلبات المناخية الانتقال من منطق انتظار الغيث إلى منطق التكيف الذكي مع عدم انتظامه، عبر حماية التربة، وتطوير تقنيات التخزين، ودعم الفلاح الصغير بالمعرفة قبل الدعم المالي.
أخطر ما تكشفه هذه التحولات هو غياب رؤية استباقية واضحة. فالتعامل مع الكوارث الطبيعية لا يجب أن يظل محصورا في التدخل بعد وقوعها، بل في:
إرساء أنظمة إنذار مبكر فعالة.
إعداد خرائط دقيقة لمناطق الخطر.
إشراك الجماعات الترابية والمنتخبين المحليين في التخطيط لا في التبرير.
تمكين المجتمع المدني من أدوار وقائية حقيقية، لا موسمية تضامنية فقط.
فالكوارث الطبيعية، في كثير من الأحيان، لا تكون سوى مرآة تعكس أعطاب التدبير أكثر مما تعكس عنف الطبيعة.
بين الفرصة والتهديد
لا شك أن استمرار التساقطات قد يشكل فرصة لإعادة ملء السدود والفرشات المائية، وإنعاش المجال القروي، لكن هذه الفرصة قد تتحول بسرعة إلى تهديد إن لم تؤطر بسياسات عقلانية وشجاعة.
إن المغرب اليوم أمام مفترق طرق:
إما أن يواصل سياسة رد الفعل، فيدفع ثمن كل موسم مطري جديد،
أو أن يختار طريق الاستباق والتكيّف، فيحول التقلب المناخي من عبء إلى مدخل لإصلاح حقيقي.
فالمطر حين يحسن تدبيره حياة…
وحين يهمل، يتحول إلى سؤال مؤلم عن المسؤولية.
(.) فاعل سياسي وحقوقي