نحو جيل جديد من التنمية الترابية: عندما يتجاوز الزمن التنموي إكراهات الزمن السياسي

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: د. يوسف الشفوعــي (.)

يشكل المجلس الوزاري المنعقد برئاسة الملك محمد السادس محطة مفصلية في مسار إعادة تشكيل السياسات العمومية بالمغرب، ليس فقط من خلال المصادقة على نصوص قانونية وتنظيمية، بل عبر وضع معالم جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يقوم على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز منطق التدبير الظرفي نحو هندسة تحول تنموي شامل.

منهجية جديدة: من التخطيط المركزي إلى الإنصات الترابي

ما يميز هذا الورش الإصلاحي هو التحول العميق في منهجية إعداد البرامج، حيث لم تعد التنمية تُصاغ في المكاتب المركزية، بل أصبحت تنطلق من التشخيص الترابي الدقيق، المبني على مؤشرات سوسيو-اقتصادية، وعلى مشاورات واسعة مع المواطنات والمواطنين.

هذه المقاربة التشاركية تعكس وعياً مؤسساتياً متقدماً بأن فعالية السياسات العمومية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل بمدى قدرتها على الاستجابة للحاجيات الحقيقية للساكنة. وهو ما يضع المواطن في قلب الفعل العمومي، ليس كمستفيد فقط، بل كشريك في تحديد الأولويات.

حكامة متعددة المستويات واستثمار استراتيجي

يأتي تخصيص غلاف مالي يناهز 210 مليار درهم على مدى 8 سنواتليؤكد أن الأمر لا يتعلق بإجراءات ظرفية، بل برؤية استثمارية مهيكلة. كما أن اعتماد حكامة متعددة المستويات—محلية، جهوية، ووطنية—يعكس سعياً إلى تحقيق الانسجام والنجاعة في التنفيذ.

إضافة إلى ذلك، يشكل إحداث شركات جهوية للتنفيذ تحولاً نوعياً في آليات التدبير، من خلال الجمع بين الرقابة العمومية ومرونة القطاع الخاص، وهو خيار يهدف إلى تسريع وتيرة الإنجاز وتحسين جودة المشاريع.

أما على مستوى الشفافية، فإن إحداث منصة رقمية لتتبع البرامج يندرج ضمن تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح المجال أمام المواطن لمواكبة تنزيل السياسات العمومية بشكل مباشر.

الزمن التنموي: منطق الاستمرارية مقابل تقلبات السياسة

أحد أهم الدروس المستخلصة من هذا التوجه هو تكريس فكرة أن الزمن التنموي لا يمكن أن يظل رهيناً بالزمن السياسي. فالمشاريع الكبرى، خاصة ذات الطابع الترابي والاجتماعي، تحتاج إلى استمرارية تتجاوز الولايات الحكومية والدورات الانتخابية.

هذا المعطى يعكس توجهاً نحو بناء سياسات عمومية مستقرة ومحصنة، قادرة على ضمان التراكم، بعيداً عن منطق القطيعة أو إعادة الانطلاق مع كل مرحلة سياسية جديدة. وهو ما ينسجم مع طبيعة التحولات البنيوية التي يعرفها المغرب، والتي تتطلب نفساً إصلاحياً طويلاً.

رؤية ملكية لمعالجة التحول الاجتماعي

لا يمكن قراءة هذه الدينامية بمعزل عن الرؤية الملكية التي طالما نبهت إلى اختلالات النموذج التنموي، خاصة حين تحدث الملك محمد السادس عن ظاهرة مغرب بسرعتين، في إشارة إلى التفاوتات المجالية والاجتماعية.

اليوم، يأتي هذا الجيل الجديد من البرامج كترجمة عملية لهذه التشخيصات، وكآلية لإعادة التوازن بين المجالات، وتعزيز العدالة المجالية، وتحسين شروط عيش المواطنين، خاصة فئة الشباب التي تشكل محور التحول الاجتماعي.

بين الاحتجاج والإنصات: نحو جرعة تنموية جديدة

في سياق تزايد التعبيرات الاحتجاجية، خصوصاً لدى فئات شبابية—ومنها ما يُعرف إعلامياً بـجيل زيد—يبرز هذا الورش كـجواب عملي ومؤسساتي على مطالب الإدماج والكرامة والعدالة الاجتماعية.

فبدل الاكتفاء بالتفاعل الظرفي مع هذه المطالب، يتم اليوم الانتقال نحو بناء أدوات تنموية قادرة على معالجة جذور الإشكالات، من خلال:

خلق فرص الشغل
تحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية
تقوية جاذبية المجالات الترابية

ختاما فإن المغرب يخطو نحو نموذج تنموي ترابي قائم على الأثر

في المحصلة، يبدو أن المغرب يتجه نحو ترسيخ نموذج جديد للتنمية، يقوم على الترابية، التشاركية، والاستدامة، ويضع المواطن في صلب المعادلة.

إنه تحول من منطق تدبير المشاريعإلى منطق صناعة الأثر، حيث لا تُقاس التنمية بما يُنجز فقط، بل بما تُحدثه من تغيير ملموس في حياة الناس.

وبين وضوح الرؤية وتوفر الإمكانيات، يبقى التحدي الأساسي هو حسن التنزيل، بما يضمن أن تتحول هذه التوجهات إلى واقع يلمسه المواطن في تفاصيل حياته اليومية.

(.) خبير ومستشار في قضايا الشباب والتنمية الاجتماعية والبشرية

اترك رد