أحداث عالم اليوم بين إيران والغرب والحكام العرب؟ الحلقة الأخيرة

بقلم: د. محمد وراضي

إن كانت السنة – كما أوضحنا ـ مجرد لافتة في الواجهة، وأنها غائبة وحل محلها الفكر العلماني من جهة، والفكر الظلامي الديني من قبورية وطرقية وشعوذة من جهة ثانية.. مؤيدة كلها من طرف حكامنا العرب. فإن الشيعة حاضرون في مجال الممارسة السياسية التي يقتضيها الدين،، فقد تميزوا عن السنيين ببناء دولة قوية، مناهضة للعولمة. بمقدورها أن تقول “لا” مدوية مرفوعة في وجه خصوم ديننا الحنيف وإن لم يكونوا سنيين؟ لأننا مثلهم لسنا كذلك وإن نحن ادعيناه؟
فبالرغم من كون الأمريكيين فرضوا حصارا اقتصاديا على الجمهورية الإسلامية الإيرانية الفتية منذ قيام الثورة ضد الشاه عام 1979م. فإنما دون أن يحبط حصارهم وحصار من ساندهم من الأوربيين همم حكام إيران الذين أصبحوا قادرين على حماية بلدهم من أي خطر داهم، كما تمكنوا من مد أدرع ثورتهم الشيعية إلى جهات حساسة في الشرق الأوسط. فلهم وزن ثقيل في لبنان.. واليمن، وفي البحرين، ووزنهم هذا ثوري سياسي لا عقائدي؟ هدفه ترسيخ مبادئ التشيع في الأوساط الشعبية. مما يفسر مساندة إيران ودعم مواقفها من خصوم الإسلام في الجملة.. إنهم قدموا ويقدمون سندا لا مشروطا للشعب الفلسطيني المؤزوم حتى من الإخوة العربان المستسلمين لأوامر البيت الأبيض؟
فصح أن الغربيين الذين قاطعوا إيران لمدد متفاوتة، لجأوا إلى مخاطبة ودها حتى لا تذهب بعيدا في تخصيب الأورانيوم، وبالتالي في صنع القنبلة الذرية. فقد فاوضوا إيران بقيادة أمريكا على عهد الرئيس السابق باراك أوباما.. وانتهت المفاوضات إلى رفع كافة أنواع الحصار على إيران، بشرط أن تقف عند حد بخصوص التخصيب الذي أصبحت تملك القدرة على تطويره. مما سهل دخولها في مجال اقتصادي وسياسي واجتماعي أوسع من ذي قبل.
ولما حل بالبيت الأبيض رئيس جمهوري متنطع عصبي، اتخذ جملة من القرارات السياسية والاقتصادية حتى يحقق وعوده الانتخابية المدرجة تحت عنوان :”المصالح الإمريكية أولا”.فكان أن افتتح تنطعاته برفض ما اتفقت عليه كافة الدول بخصوص تلويث الفضاء؟ وبخصوص منظمة حقوق الإنسان الدولية لكونها في نظره مطية لمهاجمة إسرائيل بلا هوادة؟ كما انسحب من اتفاقيات جمركية مع مجموعة من دول العالم،، بما فيها الدول الكبرى،، وأدرك ذروة رفض الاتفاق النووي بين الأوربيين والإيرانيين. متهما سلفه أوباما بالوقوع في خطإ فادح؟ وحتى يصحح الخطأ، فرض عقوبات اقتصادية مجحفة على إيران؟ وفرض على مجموعة من الدول انتهاج نفس نهجه.. وهدفه في النهاية جعلها تقف نهائيا عن تصدير عصب حياتها الاقتصادي وهو النفط،، دون أن يدرك ما يمكن أن ينجم عن أفعاله من أضرار يعاني منها الشعب الإيراني برمته. كما سوف تعاني منها بقية شعوب من فرض على قادتها رفع أو تخفيض من الجمارك؟
وكان من جملة ما خطط له، الانتصار للصهاينة الذين وضع لصالحهم ما يعرف بصفقة القرن، والتي ترمي في النهاية إلى تطبيع العلاقة نهائيا مع العربان والإسرائليين. بصرف النظر عن تجاوزه لحدود لم تجرؤ أية حكومة أمريكية قبله على تخطيها؟ فقد اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل إليها السفارة الأمريكية متحديا قرارات الأمم المتحدة منذ قيام دولة الصهاينة عام 1948م. ثم لم يلبث أن اعترف بالجولان السوري كأرض إسرائلية؟ ولم يتخلف عن المشاركة في إنزال جيشه الأمريكي بسوريا. مدعيا مساهمته في مواجهة داعش، وفي الوقت ذاته حماية الأكراد السوريين المطالبين بحقوقهم الديمقراطية، دون أن يكونوا على وفاق مع الثوار السوريين المحاربين ضد النظام.. وهو في الواقع إنما تدخل لتوفير الحماية لحليفته في الإثم والعدوان: دولة الصهاينة شذاذ الآفاق.
وبالرغم من مساندة القرارات الأمريكية من حكام عرب خونة، فإن الشعوب لا تزال على إخلاصها للقضية الفلسطينية. ومن جملتها الشعب الإيراني الذي ظل قادته على موقفهم من حيث الدعم المادي والمعنوي للمقاومة التي لن تهدأ، ولم ولن تستسلم لما استسلم له من يحتمون جهارا بالأمريكيين، إلى حد أنهم لا يستطيعون إنكار ما جاء على لسان ترامب، من كون أنظمة الخليج في مجملها، إنما بفضل الأمريكيين بقيت على قيد الحياة! وإلا انهارت برمتها في ظرف أسبوع أو أقل؟؟؟
وبإقدام النظام الأمريكي على رفض الاتفاق النووي، وعلى فرض حصار اقتصادي ظالم على إيران، وجد صلابة موقف هذا البلد المسلم تحول دون الوصول إلى الغاية المطلوبة أمريكيا، والتي تعني شيئن: توقف إيران النهائي عن تصدير النفط؟ وقبولها للتفاوض حول ثلاثة مواضيع: موضوع الصناعة النووية، وموضوع الصناعات الصاروخية، وموضوع وقف تفريخ الثورة في أكثر من منطقة عربية. بحيث يلزم إيران الكف عن الامتداد في المناطق البعيدة عنها والمجاورة لها؟ في حين أن للأمريكيين وحدهم مد أدرعهم طوعا أو كرها في شتى أرجاء العالم؟
ولما تيقن حكام الولايات المتحدة من صلابة الموقف الإيراني، حاولوا ركوب متن الشيطنة، كي يعتقد العالم بأن إيران دولة هدامة؟ فكان أن أبدع النظام الأمريكي حادثة الاعتداء على أكثر من حاملة نفط في مضيق هرموز، وأوهم العالم بأن إيران وراء تلك الحادثة؟ وحاول التجسس فضائيا على ما يجري داخل إيران نفسها؟ لكن الإيرانيين أسقطوا الطائرة الأمريكية المتجسسة المسيرة؟ وكل محاولة أمريكية فاشلة تجيء بعدها محاولة موالية، فقد أوقفت بريطانيا في تكامل مع أمريكا وبإيعاز منها حاملة نفط إيرانية في جبل طارق؟ لكن الإيرانيين أوقفوا عن قصد سفينة بريطانية؟ وتتجه الأمور صوب ابتداع مزيد من التعقيدات؟ فكان أن حاولت الإمارات العربية المتحدة مخاطبة ود الإيرانيين؟ ولم يتخلف السعوديون عن استقدام قوة أمريكية مجددا على أرضها بعد أن غادرتها عام 2003م؟ مع التأكيد على أن الآفاق لا تزال حبلى بمفاجآت من الصعب تقديم صور دقيقة عنها، لكونها تنتمي إلى المجهول؟ ومع التأكيد على أن السنة التي يدعي السياسيون الدفاع عنها فاشلة؟ وأن الشيعة ظلت وسوف تظل مرفوعة الرأس بفضل الصمود والاعتزاز بالكرامة؟؟؟

اترك رد