الأمطار في عصرنا حتمية القدوم بعد صلاة الاستسقاء؟؟؟
بقلم: د. محمد وراضي
حين يشتد القحط، أو يطأ الجفاف بكلكله على أمة محمد بن عبد الله، يكون الفلاحون أسرع من غيرهم إلى الصلاة في أي وقت من أوقاتهم بالليل أو بالنهار. والصلاة بكل تأكيد، دعاء وتضرع، سواء ألقوا بالبذور في الأرض بعد حرثها، أو أنهم لم يلقوا بها بعد فيها. فألسنتهم تكاد لا تردد غير مختلف الأدعية طلبا للرحمة، ومثلهم باقي المخلوقات التي تقتات على ما تنبته الأرض، أو ما يخرج منها بفعل الأمطار من الحشرات. مما يعني أن دعاء المصلين بعد أوامر من الحكام لإنزال الأمطار لا يكفي إن لم ينفذ الله تعالى قوله: “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان”. غير أن المقبلين على الدعاء لم يستجيبوا – في الغالب – لله الذي دعاهم إلى طاعته وطاعة رسوله، مما يعني أن المسألة تتعلق بالاستجابة المتبادلة. نستجيب كمسلمين بشر نسبيين، ويستجيب لنا ربنا كخالق ورازق وقادر وعادل وحكيم، وإلا ما استغاث المؤمنون به عند الشدائد والمدلهمات كما كان يفعل رسوله ص وصحبه الكرام بعده.
بينما الكافرون بالله وبرسوله، يستغيثون بمن ليسوا ربا ولا إلها، وإنما هم مخلوقات لا تضر، ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع. إذ كيف نتوقع أن يأتي فرعون ذو الأوتاد بأمطار تنتفع بها كافة مخلوقاته (وهو الإله كما يدعي)، وكيف ينتهي بنا الأمر إلى انتظار الغيث لكون المسؤولين في وسائل الإعلام أخبرونا بالأحوال الجوية؟ مع أنه ص نهانا عن الادعاء بأن الأنواء هي التي تمطر.
غير أن الأحوال الجوية أو النوى – كما في الحديث – هي التي تحمل بعض الحكام على مطالبة أئمة المساجد لإقامة صلاة الاستسقاء. إذ عندما يقتنع هؤلاء الحكام بأن الأرصاد الجوية لا تخطئ وإنما هي تصيب، يقتنعون بأن الأمطار مقبلة بدون شك، وأن الأمة المطالبة بأداء صلاة الاستسقاء، لا بد أن يستجيب الله لطلبها في الحين.
ونحن نذكر في تاريخ بلداننا تعرضها لسنوات عجاف، يكفي أن نتذكر الثمانينيات من القرن الميلادي المنصرم لأخذ العبرة مما حصل في بلدنا بالتحديد، وكأن عبرة الثمانينيات، تبقى مجرد امتحان لأمر السلطة العليا التي لا تملك أي قدرة على الاستجابة لصلاة المصلين ودعوات كل موجود على وجه أرضنا، وعلى أرض غيرنا.
ولدينا أكثر من تجربة في كون التوقعات الجوية لم تكن قدرا مفروضا علينا، إذ طالما كانت خاطئة لعدة أسباب، من بينها أن يتحول الضغط الجوي المنخفض مثلا إلى ضغط جوي مرتفع، مما يعني أن توقعاتنا قد أصبحت عبارة عن تنبؤات أقرب إلى نبوءات العرافين.
فيختفي الادعاء المعاصر بالسيطرة على الطبيعة وإخضاعها، ويحل محل هذا الادعاء، بقاء سنة الطبيعة مهيمنة علينا كمدعين لما لا نستطيع تطبيقه. فاتضح لنا مع هذه الملاحظة أن علم الإنسان نسبي محدود، كما اتضح لنا كيف أن ما كان يطمح إليه ديكارت غير ممكن تحقيقه بأكمله. يقول هذا الفيلسوف الفرنسي ما معناه دون لفظه: نريد علما نسيطر به على الطبيعة ونسخرها كما نريد.
لكن أحلام ديكارت والديكارتيين لم تتحقق بعد، وقد أدركت العلوم التجريبية ذروتها كما يدعي العلمانيون، إلا أن تكذيب ما ادعوه أو الحكم الذي وضعوه، لم يسفر عن إشباع رغباتهم، سواء على المستوى المادي أو على المستوى المعنوي؟؟؟ فحضارتهم المادية تعترضها ظواهر كونية: زلازل، وبراكين، وعواصف مجسمة في أكثر من كوارث، بدون صرف الأنظار عن ظهور أنواع من الأوبئة التي لم يجد لها العلم البشري المتقدم أية حلول، فضلا عن الرذائل التي تدخل في إطار العولمة بمختلف أخلاقياتها المشوهة للزعم البشري الفاضل، والتي انتقلت إلى دولنا نحن العرب، مع إصرار حكامنا على ممارستها من باب التفتح، في مقابل إغلاق أي باب يهب فيه الإسلام من خلال أهداف ملخصها “جلب المنافع ودفع المضار”. فصح وجوب التخلص من ادعاء وجودنا في مرحلة لا يخفى علينا كبشر أي شيء. مما يعني أن الإسلام أمدنا بطرق وقائية مختلفة لتجنب أمراض معدية لا حد لها ولا حصر، من جملتها غسل اليدين خمسة عشر مرة في اليوم، ثم ندعو إلى احترام اليوم العالمي لغسل اليدين كما ندعو إلى هذا الغسل وكوفيد 19 قد أهلك من البشرية كبارها وصغارها، دون أن يجدينا ما ادعيناه من تقدم غير مسبوق في مختلف العلوم؟؟؟
الدكتور محمد وراضي