الإسلام يعيش أزمة “في فرنسا”

بين الصورة البارزة والعنوان
بقلم: خليل مرزوق
صحيح ما قاله رئيس الجمهورية الفرنسية ماكرون؛ الاسلام يعيش أزمة في جل دول العالم؛ وأولها دولة فرنسا..! لكن الازمة مزدوجة؛ أزمة المضيَّق عليه في هذه الدولة وهو الاسلام؛ وازمة المضيِّق وهي الدولة الفرنسية.
أزمة الاسلام في بعض دول الغرب؛ وأكبرها فرنسا؛ هي ازمة عدم تقبل الدولة لدين مسالم في عقائده وعباداته وأوامره وتخييراته؛ وهو بالمقابل عدم تقبل للاختلاف، ليس على مستوى السياسة كمجال للصراع وهي التي يفترض فيها الاختلاف؛ انما على مستوى الاختيارات الروحية للأفراد ولو تمظهرت بشكل محترم جدا عبر اللباس او الاقتصاد باستبعاد استهلاك بعض المنتوجات؛ وهو امر عادي فحتى الغربيون قد يعرضون عن استهلاك شيء واستبعتد شيء آخر حسب الذوق؛ والامتناع ايضا عن الاستهلاك بعلة الحرام هو ذوق بشكل أو بآخر مادام اختيارا مهما كانت أسبابه. الرئيس الفرنسي لا يريد أن يذكر العالم عبر خطابه المنمق قبل يومين؛ بأن فرنسا سنت قانونا يمنع ارتداء الحجاب؛ ولا يريد تذكير العالم أن البوليس الفرنسي في شاطئ عمومي منع سيدة ترتدي البوركيني من الجلوس على الشاطئ الا بتعريتها بخلعها للباسها وارتداء البيكيني؛ ولا يريد كذلك تذكير العالم بأن البرلمان الفرنسي منع جلوس رئيسة منظمة الطلبة بجامعة فرنسية بين الحاضرين لمناقشة الأزمات الحقيقية للدولة؛ والسبب الوحيد لهذا المنع أنها ترتدي الحجاب..!
الرئيس الفرنسي لا يريد أن يذكر هذه الأحداث وغيرها كثير؛ لان ذاكرة العالم تنقسم إلى قسمسن؛ ذاكرة المسلمين صوريا وهم سكان الدول الناطقة بالعربية وهي ذاكرة سمكِيَّة تنسى بسرعة مما يجعل هذه الدول مسلوبة الإرادة لا تبدي ردة فعل ولا تتخد موقفا؛ وذاكرة الغرب الذي يصادق بالاجماع على الخطاب المتداول بأوربا خصوصا؛ وخصوصا إذا كان خطابا ضد الاسلام. تجاهل ماكرون لجل خطوات دولته ضد المسلمين كأفراد ومواطنين فرنسيين؛ وتركيزه على حملته الانتخابية السابقة لأوانها بمهاجمة الإسلام؛ انما يكشف في الحقيقة ضرب فرنسا لمفهوم وتجليات وتطبيقات حقوق الانسان والحريات العامة عرض الحائط؛ كما يكشف بشكل واضح ربط فرنسا للحق في الاختلاف بشرط “لا للاسلام”!!
نتساءل حول هذا الكره الكبير من هذه الدولة لهذا الدين، فنجد الإجابة واضحة؛ وهو أن عنف المواطن الفرنسي في القرن 18 والقرن 19 كان موجها ضد المسلمين في بلدانهم على شكل استعمار للدول المغلوبة على أمرها؛ واستثمار هذا المستعمر في الأرض ببناء المنشآت واستغلال الموارد البشرية عبر الحربين العالميتين 1/2 وكذا عبر إعمار فرنسا بعد الحربين.. لقد ركز المعمرون في كراهيتهم للمسلمين على استغلالهم لبناء الدولة الفرنسية من جانب البنية التحتية خصوصا؛ فكانت هجرة المسلمين إلى أوربا هجرة للموت في العمل الشاق؛ لكن استمرار التخطيط على هذا النحو ولد في أواخر القرن 19 الى اليوم استقرارا لسكان إفريقيا وخصوصوا شبه شمالها؛ بفرنسا؛ حتى اصبحنا نرى اسم محمد منتشرا بشكل كبير عبر جل ربوع الجمهورية الفرنسية؛ وهذا على لسان كبير رجال الدين بفرنسا في خطاب أمام العموم؛ وهذا بالضبط ما يخيف المتطرفين من الفرنسيين الذين يتبنون العنف ضد الاسلام باعتبار أن المسلمين اليوم في فرنسا أصبحوا يشكلون أغلبية الاقليات الدينية؛ بل ويشغلون مناصب مهمة في الادارة والاقتصاد، وهذا يقلق ويغيض سكان الدولة من العرق الفرنسي الذي اصبح في تناقص مهول؛ وهو تهديد للهوية الفرنسية للدولة.. وعلى ذكر الهوية؛ فالرئيس والشعب الفرنسيين لا يدركون المفهوم الأمثل للهوية؛ ولربما أن المسلمين يجب ان يعلموا الشعب الفرنسي هناك هذا المفهوم؛ وهو أن الهوية ليست هي ما كنت عليه في الماضي؛ إنما هي الحاضر وما ستكون عليه في المستقبل كما يقول البعض. يجب أن يتعلم الفرنسبون من المغاربة مثلا؛ كيف أن المغرب يضع في دستوره صفة الاسلام للدولة؛ لكن البوليس المغربي لا يمنع الفرنسيين من ارتداء البيكيني في الشاطئ؛ او التقبيل ليلة رأس السنة في ساحة جامع الفنا؛ كما أن المواطنين المغاربة وإن رفظوا بعض هذه الممارسات لأنها لا تتماشى مع دينهم وتقاليدهم؛ الا أنهم لا يعلقون حتى عليعا بشكل علني؛ ليس خوفا او جبنا انما لانهم يحترمون قانون ودستور المغرب، بلدهم، ويحترمون الاختلاف. هذا المبدأ الذي يغيب في عقلية الكثير من الفرنسيين؛ وأولهم رئيس دولتهم.

اترك رد