الإسهال التنويري

بقلم: بدر الجنيدي
الفاعل التنويري، في نظري فاعل يسعى لهدم الخرافات ونقد المنظومات السائدة لبناء أخرى أشد رصانة و معقولية، هذا الإتجاه أوافق عليه و أسعى له و أتقاسم صعوبته وحلاوته مع أهل البحث و النظر.
لكن أصبحت أفقد الثقة في الفاعل التنويري بحجم الصدمات التي بت أطالعها على صفحات بعض اﻷقلام التي تروج لهذا المفهوم في وسطنا، فنقد الخرافة لا يعادل نقد أساسيات المقدس الإسلامي والنيل منها، ومحاولة ترشيد السلوك الديني، وفك الإشتباك بين الدين والتدين، ليست مبررا للنيل من توابث اﻷمة.
الذي دفعني لتسطير ما سبق، ما هالني على إحدى الصفحات لمثقف صدر له مؤلفات أو قل خواطر حول العقيدة والقرآن تقدم على أنها قراءة ومحاولة فهم و نظر، فصاحبنا لا زال يحمله قلقه العقدي معه ليشوشنا ويرهقنا ونحن نحاول أن نتنور منه، لعل كتاباته تأتينا بقبس أو نجد عليها الهدى.
وﻷن صديقنا يعطي تصوراته حول الفعل الديني وممارسته التي يحاول عقلنتها، فإنه يروي لنا تجربته مع عيد اﻷضحى، اذا سبب له جرحا وجوديا في طفولته، فالمشهد فظيع حقا كما يصفه، والكبش يؤدي رقصته الدموية، مما جعله يعتزل المشهد بالكلية، ويوكل اﻷمر ﻷسرته أو أحد أفرادها قبل و بعد زواجه كما يصرح، وأنه لا يقوم إلا بعد إنتهاء الإحتفال الدموي يوم العيد. أمثال هؤلاء سيقودون تنويرنا،؟ أمثال هؤلاء سيحفظون علينا إحترام شعائرنا؟، آراهم تأنسنوا جدا في حين سرق منا الدين ذلك في نظرهم، فنحن نضحي ونقرب هذا القربان بما يحمله من دلالات عميقة غابت عن صديقنا، الذي يروعه مشهد الدماء السائلة، التي نراها تحمل بقاء الإنسان وتمركزه وعلوه في الوجود، فالله عز وجل حسب النص الديني، هو الذي رضي بالفداء، واختار بقاء الإنسان، وأظهرت القصة من جانب آخر عمق التجربة الإبراهيمية سواء في الإستجابة أو التسليم، مع مآل ذلك في بقاء إبنه، وهنا تتضح رحمة اﻷمر الإلهي، وكأن الله عز و جل وهذا لم أقرأه ﻷحد” أعاد اختبار إبراهيم عليه السلام الذي طلب من قبل الإطمنئان، ليريه ماديا رحمة الله في آوامره، وليعلم إبراهيم (ع) نفسه معنى التسليم، ونتعلم منه ذلك، ومعناه سلم لله و دع عواقب اﻷمر له).”
هذه المعاني الرائقة و غيرها، تفلتت من بين يدي صديقنا المتنور، الذي لا يحب أن تلطخ يديه بدماء اﻷضاحي، وحصر نفسه ومعجبيه الذين تكالبوا على شعيرة العيد على سننه ذما وتنقيصا، ولم نر منه توجيها لتلك التعليقات بل رضى منها بنقر “جيم”.
أختم هذه المقالة، بالقول أن الشأن الديني،أصابه إسهال الكلام مذ صار من يتعاطى الثقافة يدلي بدلوه فيه، فكثر المجددون ولا تجديد، وصار هؤلاء يفصلون القول في علم الكلام، واﻷصول والحديث، والتفسير، ويتربون ويصوبون ويخطئون، ولا رقيب عليهم، وأظن أن دعوة الإحتساب على الفتوى التي رفعها شيخ الاسلام ابن تيمية في وقته، والمعارف الدينية لا يتعاطاها إلا أهل الفن، نحن في أشد الحاجة إليها لإيقاف هذا الإسهال التنويري. كل عام وأنتم بخير.