التشهير… حين تتحول الرداءة إلى بنية في دعامات الدولة

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: سعيد عاتيق (.)

لم يكن مفهوم التخلف يوماً مجرد توصيف اقتصادي أو اجتماعي، بل كان دوماً عنواناً لحالة مركّبة تمسّ مختلف مفاصل الحياة العامة: من السياسة إلى القيم، ومن الثقافة إلى أساليب التواصل والتدبير. وفي هذا الإطار، تبقى محاولات فهم أسباب تخلف المجتمعات من أكثر ما شغل المفكرين والباحثين عبر التاريخ، إذ توزعت المدارس بين من ربط التخلف بعوامل بنيوية داخلية، ومن رآه نتيجة لتراكمات تاريخية أو تبعية خارجية.

لكن، حين ننظر إلى الحالة المغربية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فرغم تراكم البرامج، وتعدد خطابات الإصلاح، وانخراط الدولة في أوراش كبرى، فإن الشعور العام ما يزال مشدوداً إلى مفارقة صارخة: مشاريع تنموية على الورق، يقابلها تآكل مستمر في منظومة القيم، وضعف في المؤسسات، واحتباس في الأفق السياسي.

وفي صلب هذا الاحتباس، تبرز اليوم ظاهرة مقلقة أصبحت تشكل تهديداً حقيقياً للسلم الاجتماعي، ولما تبقى من رصيد الثقة بين المواطن والمؤسسات: إنها ظاهرة التشهير والانحدار الأخلاقي في الخطاب العام. لم تعد هذه الممارسات حبيسة “الصفحات الصفراء” على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تسربت إلى قنوات الإعلام، وأصبحت جزءاً من خطاب بعض المنتخبين، وزعماء الأحزاب، وفنانين، وحتى من يُفترض فيهم تمثيل النخبة المفكرة والمثقفة.

الخطير في الأمر، أن هذه الممارسات لا تُعبّر فقط عن تفاهة في الأسلوب، بل تكشف عن انحدار عميق في وظيفة الفاعل السياسي والثقافي. فعندما يتحول الاختلاف إلى شتيمة، وتُستبدل الحجة بالقدح، ويُعوض النقاش بالفضيحة، فنحن لا نعيش فقط أزمة أخلاق، بل أزمة مشروع مجتمعي بأكمله.

وقد ساهم في تفاقم هذا الوضع جزء من الجسم الصحفي والإعلامي الذي تماهى مع هذه الموجة، إما بدافع الإثارة وكسب المتابعة، أو نتيجة اصطفاف غير مهني مع أطراف سياسية أو مالية. والنتيجة: فضاء عام ملوث، مشحون، يغيب فيه الحوار الرصين، وتسود فيه لغة التحريض والتشهير والتخوين.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تنخر في صلب الثقة العامة، وتُغذّي الإحباط الجماعي، وتُفرغ العمل السياسي من مضمونه، وتحوّل الإعلام من سلطة رابعة إلى أداة في يد أصحاب النفوذ والتصفية.

فهل يمكن لمجتمع يعيش على وقع هذا الانحدار أن يتحدث عن تنمية؟
وهل يمكن لمواطنة مهزوزة، ومؤسسات تفتقر للهيبة، وخطاب سياسي مفرغ من المعنى، أن تشكل أرضية للإقلاع الديمقراطي أو الاقتصادي؟

إن مواجهة هذه الرداءة المتفاقمة ليست مسؤولية فردية، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من المدرسة والأسرة، وتمر عبر الإعلام، ولا تستثني الفاعلين السياسيين والمدنيين. ولا بد من وقفة صريحة تضع حدوداً لما يمكن التسامح معه باسم حرية التعبير، وتُعيد الاعتبار للغة الرصينة، وللعمل السياسي النظيف، ولإعلام يُمارس الرقابة على السلطة، لا أن يتحوّل إلى ذراع لها أو سلاح لتصفية الخصوم.

ختاماً، إن ما نعيشه اليوم ليس فقط تشهيراً بالأشخاص، بل تشهيراً بالقيم والمؤسسات. وما لم نُحصّن المجتمع ضد هذا الانفلات، فسنظل ندور في حلقة التخلف مهما غيّرنا من الشعارات والخطط.

(.) فاعل سياسي وحقوقي

اترك رد