التيارات السياسية اﻹسلامية في العالم العربي.. إمتحان للديمقراطيات الصورية

بين الصورة البارزة والعنوان

بالواضح – عبدالحي كريط

أصدرت محكمة النقض الأردنية أول أمس الخميس ، التي تعتبر  أعلى سلطة قضائية بالبلاد ،حكماً يقضي بحل جماعة الإخوان المسلمين في المملكة الهاشمية، هذه المنظمة التي ولدت في مصر في عشرينيات القرن الماضي  على يد مؤسسها الأول جمال البنا توسعت وتمددت  في جميع أنحاء العالم العربي بهدف فرض أجندة إسلامية بمساعدة حكومات وجهات فاعلة بالمنظومة السياسية بالمنطقة حسب المتغيرات الجيوسياسية التي يفرضها المناخ الإقليمي والدولي على هذه الحكومات  واليوم تعتبر  تركيا وقطر أبرز الحكومات التي تحتضن هذه الجماعة بالرغم من أن دولة قطر تعتبر دولة سلفية إلا أن طبيعة الصراع مع السعودية ومع بعض الأنظمة العربية جعلت من جماعة الإخوان المسلمين واجهة مثالية في الصراع السياسي مع هذه البلدان.

ونقلت صحيفة “ميدل ايست مونيتور” البريطانية عن مسؤول في  القضاء الاردني قوله ان قرار القضاء الاردني صدر لانه لم يتم “تصحيح” وضع الجماعة القانوني بموجب القانون الوطني علاوة على ذلك ، ووفقًا لهذا  التصريح  فإن القرار “أنهى أيضًا نزاعًا طويلًا بين الجماعة  التي تأسست في عام 1945 و بين مجموعة منفصلة ، وهي جمعية الإخوان المسلمين” ، والتي اعترفت بها حكومة عمان قانونيا وبهذا المعنى ، يفترض اعتماد هذا الأمر  في مصادرة ممتلكات جماعة الإخوان وتسليمها إلى الجمعية ذات الاسم الشخصي.

تعود المعركة بين الجماعة  ذات الجذور المصريةو بين النظام  العربي إلى عام 1953 ، عندما تم حل الفرع الأصلي للإخوان برئاسة همام سعيد و استندت محكمة النقض الآن إلى أن “تعاملات الحكومة مع الإخوان لا تضفي الشرعية على الجماعة لأنها لا تزال جماعة غير شرعية وتم حلها بشكل قانوني بعد أن لم تقم بتصحيح وضعها” ، حسب العديد من الخبراء والمراقبين  وبدلاً من ذلك ، يُسمح بأنشطة الجمعية لأنها لم تقم قط بتأسيس روابط مع الفرع  المصري للإخوان المسلمين ،و التي تم حظرها في بلدها الأصلي مع وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة بانقلاب عسكري واجهض اول حكومة مدنية ديمقراطية منتخبة بقيادة الرئيس الراحل محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين.

علاوة على ذلك ، يجب أن نتذكر ، في هذه المرحلة ، أن جماعة الإخوان المسلمين تعتبر منظمة إرهابية من قبل وطنها الأم ، ومن قبل عدد من البلدان الأخرى ، مثل البحرين وسوريا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وروسيا حيث برز نجمها في شرارة الربيع العربي،بينما في دول أخرى وصلت إلى السلطة عم طريق الانتخابات دون صدام مع الدولة التقليدية وابرز هذه الأمثلة المغرب الذي يعتبر استثناءا بمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط  حيث وصل حزب العدالة والتنمية ذات التوجهات الاخوانية إلى رئاسة الحكومة،  في عام 2019 ، تم فتح النقاش أيضًا في الولايات المتحدة لإدراجها في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية  في السنوات الأخيرة إلا أن هذا القرار لازال محل خلاف بين الساسة الأمريكيين باعتبار أن الجماعة تعتبر أكثر المنظمات الإسلامية اعتدالا حيث أثبتت أنها أكثر علمانية من العلمانيين أنفسهم أو بما يسمى بالعلمانية  المحايدة وتركيا ابرز مثال على ذلك ومصر في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي الذي لم يكتب له النجاح بسبب تيار الثورات المضادة للربيع العربي من الداخل والخارج.

في الأردن ، أصبح الإخوان المسلمون “أقدم وأكبر منظمة إسلامية في البلاد ، مع أكثر من 10000 عضو ويعتبر حزب جبهة العمل الإسلامي  الذي تأسس عام 1992 مع 350 عضو الذراع السياسي للاخوان ومؤسسوها هم أحمد عايدة وإسحاق فرحان وعبد اللطيف عربيات ويشترك في رئاستها كل من هامان سعيد ، الذي يشغل أيضًا منصب الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين في البلاد ، وحمزة منصور. في الانتخابات العامة التي أجريت في عام 2016 وحصلوا على 10 من أصل 130 مقعدًا في البرلمان  بينما حصل فصيل منشق – معترف به قانونًا – تم تجميعه تحت اسم زمزان ، على خمسة مقاعد أخرى هذا  التشكيل السياسي يعتمد على خطاب نوعي من أجل كسب أصوات واعضاء جدد وهي حركة متكررة في استراتيجية الإخوان المسلمين على أساس “الزبائنية الاجتماعية”. على سبيل المثال ، أدرجت النساء والمسيحيين في قائمة مرشحيها وهي استراتيجية جد ذكية وفعالة للإخوان من أجل اختراق شرائح مجتمعية طالما اعتبرت في الادبيات التقليدية للحركات الإسلامية غير فعالة بسبب العرف الفقهي والمجتمعي للعديد من المجتمعات العربية.

قرار المحكمة بعمان بحل الجماعة انما جاء بناء على عدة عوامل ومعطيات أبرزها أن  الأردن أضحى  أرضًا مواتية لتوطيد  نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة  بعد انتكاستها الاستراتيجية  في مصر وسوريا وهو ما كان يمكن أن يكون أحد أسباب قيام محكمة النقض باصدار قرار الحل وايضا التأثير  الخليجي خاصة بأبوظبي والرياض اللذان أصيبوا بفوبيا الاخوان وامتدت هذه التأثيرات الى قرارات دول تعيش على الاعانات  المالية والأردن يعتبر من الدول التي دعمت المشير خليفة حفتر المدعوم من عواصم عربية في التصدي لحكومة الوفاق الشرعية المعترف بها دولياوالمدعومة من تركيا وقطر.

ربما يمثل قرار العدالة الأردنية انتكاسة كبيرة لتطلعات الإخوان المسلمين ، الذين يرون كيف أن نفوذهم يتضاءل بشكل متزايد في العالم العربي إلا أن هذا القرار لازال لم ينهي وجود الجماعة كأكبر كيان سياسي إسلامي في العصر الحديث بالرغم من المحاولات الحثيثة والمتكررة التي سعت إلى استئصال الجماعة في العديد من الدول العربية بسبب القطيعة الأيديولوجية لبعض الأنظمة التي ترى في الاخوان نموذج للاعتدال الإسلامي وكعنصر مهم لتعزيز المشروع الوطني نحو الانعتاق من التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية التي لم تتخلص منها المنطقة.

اترك رد