
احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – أكدال بجامعة محمد الخامس بالرباط لقاءً علمياً تكوينياً بعنوان: “نحو فهم جديد للإدارة في زمن التحولات”، وذلك في إطار البرنامج المشترك بين مؤسسة وسيط المملكة والجامعة الشعبية المغربية تحت شعار: “الإدارة أفقاً للتفكير”.
ويأتي تنظيم هذا اللقاء في سياق التحولات العميقة التي تعرفها الإدارة العمومية المعاصرة، حيث لم تعد الإدارة مجرد جهاز تقني لتنفيذ السياسات العمومية، بل أصبحت فاعلاً مؤسساتياً مركزياً في صناعة القرار العمومي وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع والسوق داخل منظومات الحكامة الحديثة. وقد شكّل هذا اللقاء مناسبة أكاديمية وفكرية للتفكير الجماعي في مستقبل الإدارة العمومية في السياق المغربي المعاصر، بمشاركة أساتذة وباحثين وطلبة من سلكي الدكتوراه والماستر، إضافة إلى عشرات الطلبة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، ورائدات ورواد الجامعة الشعبية من مختلف مدن المغرب، وثلة من الفاعلين من مختلف المجالات، وبحضور ممثلي مؤسسات أكاديمية ودستورية.
ومن هذا المنطلق، اتخذ النقاش طابعاً معرفياً، سعى من خلاله المتدخلون إلى مساءلة الأسس النظرية والثقافية التي يقوم عليها الإصلاح الإداري في ظل التحولات الدستورية والمؤسساتية والتكنولوجية الراهنة.
حسن طارق: الوساطة الإدارية مدخل لتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة
أكد الأستاذ حسن طارق، وسيط المملكة، في كلمته الافتتاحية التي قدمتها نيابة عنه هدى أيت زيدان، المسؤولة عن قسم التواصل بمؤسسة وسيط المملكة، أن التفكير في الإدارة العمومية اليوم لم يعد يقتصر على المقاربات التقنية المرتبطة بتبسيط المساطر أو تحسين الأداء الإداري، بل أصبح مرتبطاً بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات وكيفية تعزيز الثقة بينهما.
وأوضح أن مؤسسة وسيط المملكة تضطلع بدور محوري في ترسيخ ثقافة الوساطة الإدارية باعتبارها آلية مؤسساتية لحماية الحقوق وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة، مشيراً إلى أن الإدارة المعاصرة مطالبة بالانتقال من منطق السلطة الإدارية إلى منطق الإنصات والتفاعل مع انتظارات المواطنين.
وفي قراءة تحليلية لتحولات الحضور الإداري داخل المجتمع المغربي، أبرز وسيط المملكة أن ما تتوصل به المؤسسة من شكايات وتظلمات يومية يتيح إمكانية التفكير في ثلاث صور جديدة للإدارة تتجاوز النموذج البيروقراطي التقليدي:
1. إدارة السياسات: حيث لم يعد المرفق العمومي مجرد جهاز لتطبيق القوانين، بل أصبح فضاءً لتنزيل برامج وسياسات عمومية معقدة، ما يجعل التظلم يتجاوز مجرد الاحتجاج على خرق المسطرة إلى مساءلة مخرجات الفعل العمومي واختياراته الاستراتيجية.
2. إدارة اللايقين: وهي إدارة تتشكل في سياق الأزمات والتحولات الكبرى، حيث أصبحت سياسة الاستعجال في التدخل لمواجهة الأزمات المناخية أو الصحية أو الاقتصادية هي القاعدة لا الاستثناء، ما يطرح تحديات حقوقية للحفاظ على مبادئ الحكامة واحترام الحقوق والحريات.
3. إدارة المنصات: المرتبطة بالتحول الرقمي، حيث لم تعد الإدارة مقتصرة على المكاتب والوثائق، بل أصبحت حاضرة عبر البوابات الرقمية والتطبيقات الإلكترونية، ما يتيح سرعة في الخدمة لكنه يطرح تحديات مرتبطة بالمظالم الرقمية والفجوة الرقمية بين المواطنين.
وختم حسن طارق كلمته بالتأكيد على أن التحدي هو ضمان ألّا تتحول الإدارة الرقمية إلى جدار يعزل المرتفق عن حقه، بل يجب أن تظل التكنولوجيا خادمة للقيم الإنسانية والعدالة المرفقية، داعياً إلى الانتقال من منطق العلاج بعد وقوع الشطط إلى منطق الوقاية عبر تحسين جودة القرار العمومي وتعزيز أخلاقيات المرفق العام. وأكد أن الوساطة الإدارية تشكل مدخلاً أساسياً لتجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع وتعزيز الثقة في المؤسسات.
المصطفى المريزق: الجامعة الشعبية مشروع لدمقرطة الرأسمال الثقافي
أكد المصطفى المريزق، رئيس الجامعة الشعبية المغربية، أن اللقاء يكتسي دلالة خاصة، كونه يأتي في سياق احتفال الجامعة بعشر سنوات من العمل الدؤوب في نشر المعرفة ودمقرطتها. وأوضح أن هذه المبادرة نشأت من قناعة مفادها أن المعرفة ليست امتيازاً نخبوياً، بل حقاً اجتماعياً مشتركاً، وأن المجتمع بحاجة إلى فضاءات مفتوحة للحوار والتفكير النقدي.
وأضاف أن السلسلة العلمية، المنظمة بشراكة مع مؤسسة وسيط المملكة، تروم فتح نقاش عمومي رصين حول قضايا الإدارة والحكامة والشفافية، في أفق تعزيز الوعي بأهمية الإصلاح الإداري في تحقيق التنمية وترسيخ الديمقراطية. كما أشار إلى أن البرنامج التكويني “الإدارة أفقاً للتفكير” سيستمر من خلال دورات علمية أخرى، بما في ذلك لقاء حول: “الإدارة بين الشرعية الدستورية وفعالية الأداء العمومي: نحو إعادة التفكير في الدولة المنفذة”، ليكون هذا الورش فضاءً مستمراً للحوار الأكاديمي والتفكير الجماعي.
وشدد المريزق على أن الجامعة الشعبية ليست بديلاً عن الجامعة الرسمية، بل فضاءً مكملاً يهدف إلى تحويل المعرفة من امتياز محدود إلى مورد مشترك يخدم المواطنة والديمقراطية والتنمية.
حسن ازويري: الإدارة في قلب منظومات الحكامة المعاصرة
أبرز حسن ازويري، عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، في كلمة ألقاها نيابة عنه نائب العميد الأستاذ رضوان اعميمي، أن التحولات العالمية لم تعد تقتصر على تعديلات تنظيمية أو إصلاحات إجرائية، بل تمس الأسس المعرفية والنظرية لفهم الإدارة العمومية.
وأشار إلى أن الإدارة، من منظور علم السياسة، لم تعد مجرد جهاز تنفيذي، بل أصبحت فاعلاً مركزياً في صناعة القرار العمومي وتدبير التوازنات داخل الدولة والمجتمع والسوق، في إطار منظومات الحكامة المعاصرة التي تتداخل فيها مستويات متعددة من الفاعلين والمؤسسات.
نادية الرحماني: الإصلاح الإداري بين النصوص القانونية والتحول الثقافي
اعتبرت نادية الرحماني، عضو المجلس العلمي للجامعة الشعبية المغربية، أن اللقاء يشكل لحظة تفكير جماعي حول الإدارة العمومية في زمن التحولات المتسارعة.
وأكدت أن موضوع “نحو فهم جديد للإدارة في زمن التحولات” يعكس وعياً متزايداً بأن الإدارة أصبحت فضاءً لإعادة بناء الثقة وترسيخ قيم الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة وصون الحقوق والحريات. وشددت على أن الإصلاح الإداري يتطلب تحولاً في الثقافة المؤسساتية، وتعزيز أخلاقيات الخدمة العمومية، وإشراك المواطن كشريك في البناء لا مجرد مرتفق.
وأضافت أن الجامعة الشعبية المغربية تسعى من خلال هذا البرنامج إلى ترسيخ ثقافة الوساطة الإدارية وتعزيز قيم الحكامة الجيدة داخل الفضاء الأكاديمي والمجتمعي.
من الإدارة المنفذة إلى الإدارة المنتجة للقيمة العمومية
أبرزت المداخلات العلمية التي قدمها الأساتذة الباحثين العربي مهين و حسن العرفي، و ذ. محمد الحسينات نائب عميد الكلية (مسير للجلسة)، أن التحولات التي تعرفها الإدارة العمومية تعكس انتقالاً من نموذج الدولة البيروقراطية الكلاسيكية إلى نموذج يقوم على الحكامة التشاركية وإنتاج القيمة العمومية.
فالإدارة لم تعد مجرد جهاز لتنفيذ القرارات السياسية، بل أصبحت فضاءً معقداً تتقاطع داخله رهانات متعددة، من بينها:
* تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع
* تحسين جودة الخدمات العمومية
* تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية
* توسيع مشاركة المواطنين في تدبير الشأن العام
وأصبحت الإدارة مطالبة بالانتقال من منطق الامتثال للقواعد إلى منطق إنتاج الأثر العمومي، ومن إدارة الموارد إلى إدارة المعرفة والذكاء الجماعي.
الجامعة الشعبية المغربية: المعرفة كرافعة للديمقراطية
يأتي تنظيم هذا اللقاء في إطار المشروع الفكري للجامعة الشعبية المغربية، القائم على مبدأ أن الحق في المعرفة هو حق من حقوق الإنسان، وتسعى الجامعة من خلاله إلى دمقرطة الولوج إلى المعرفة عبر لقاءات علمية مفتوحة للطلبة والباحثين وعموم المواطنين، ما يسهم في تطوير النقاش العمومي وتعزيز الوعي النقدي حول قضايا الدولة والديمقراطية والتنمية.
نحو أفق جديد للتفكير في الإدارة
تكشف النقاشات أن التفكير في الإدارة العمومية لم يعد مسألة تقنية فقط، بل أصبح رهاناً معرفياً ومجتمعياً يرتبط بمستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ويعد الحوار بين الجامعة والمؤسسات الدستورية والمجتمع المدني مدخلاً أساسياً لإعادة التفكير في دور الإدارة باعتبارها فاعلاً مركزياً في تحقيق التنمية وتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ قيم الحكامة الجيدة.
من هذا المنظور، تمثل مبادرة “الإدارة أفقاً للتفكير” خطوة مهمة نحو فتح نقاش عمومي رصين حول مستقبل الإدارة العمومية في المغرب، في أفق بناء إدارة أكثر إنصافاً ونجاعة واستجابة لانتظارات المواطنين.