الدين في كنف التنوير

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: ياسين النايلي

منذ أن عرف أرسطو الإنسان بأنه الحيوان الناطق أو العاقل، والبحوث تتراكم سواء من طرف الجهات المهتمة بالإنسان كماهية، أو تلك التي يهمها منه فقط الجانب المادي، فازدادت وفقا لذلك التعريفات واختلفت لما تتضمنه من مفاهيم وخصائص جديدة، فأضيف إلى التعريف الأول الأرسطي تعريفا آخرا يتحدد الإنسان بموجبه ككائن متدين، كائنا دائم النزوع نحو المقدس.

لطالما حظي الدين باهتمام الفلسفة بحيث إن تاريخ فلسفة الدين يظهر كيف أن هذا البحث ارتبط  بسجلات عديدة دائرة بين الفلسفة وتاريخ الأديان المقارن من جهة، ومن جهة ثانية بين اللاهوت المسيحي والتيولوجيا الطبيعية. لكن ما يظهره تاريخ الفلسفة كذلك وبالملموس هو: أن نقطة إشعاع هذا البحث وتعمقه ارتبط بحقبة زمنية دون غيرها، فقد جعلت الفلسفة ولا سيما فلسفة القرن السابع عشر والثامن عشر البحث في الدين من بين أولويتها، خصوصا عندما ظهرت الحاجة الماسة إلى التوفيق بين كتاب الله وكتاب الطبيعة وبين حقائق التاريخ وحقائق الأناجيل، وبين التاريخ والإعجاز وبين العهد القديم والعهد الجديد. بهذا الأمر شكل إنكباب الفلاسفة على موضوع الدين منعطفا قويا ونقلة نوعية اختلفت من خلالها معالم الاعتقاد الديني الأوروبي، وان فضحت مسائل كثيرة عدت إلى وقت قريب من القرن الثامن عشر حقائق ثابتة لا يمكن الشك فيها، فهي صادرة عن الحاملين للحقيقة الأصلية، وعن المخلصين للبشرية، والمقصود هنا: إنها المؤسسة الكهنوتية التي لم تكتف بأداء وظيفتها الأصلية لتمتد إلى أداء وظيفة ثانية هي في صلبها مغالاة في أداء الوظيفة الأولى، بحيث أصبحت تعد نفسها المحل الوحيد لإقامة وتوطيد العلاقة بين الإنسان والله، إنها عتبة التعالي والسمو إلى العالم الأصلي، العالم الروحاني، وأما ما عدها ما هي سوى وسائل تجر الإنسان إلى تكريس منطق الخطيئة الأصلية. فتحولت بهذا إلى غاية في حد ذاتها بعدما كانت مجرد وسيلة فأصبح من العسير على الفرد الأوروبي أن يميز بين خدمته لله وخدمته للكنيسة بما هي مؤسسة بشرية تبعد أن تكون قدسيتها شبيهة بالقداسة الإلهية.

إن حديثنا عن مظاهر السلطة الكنيسية، إنما هو حديث لسبيل إيضاح ما جاء به القرن الثامن عشر، فأهمية هذا القرن لا تبرز إلا بمقارنته بما كان سائدا قبله.

إن القرن الثامن عشر، أو ما يصطلح على تسميته بعصر الأنوار siècle des lumières يشير إلى نشوء حركة ثقافية دعيت بالتنورية لرفعها شعار العقلانية ومبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة بدلا من الدين، ففرضت على رجال الدين مراجعة الذات ومحاولة إنقاذ روح الدين الأصلي بنزع الترميقات والشوائب الزائدة عنه، فقد اعتبر هؤلاء (التنويريون) أنفسهم قادة من أجل الدفع بالإنسان إلى التطور والتقدم، وترك التقاليد الدينية والثقافية القديمة ضمن فترة زمنية دعوها بالعصور الظلامية.

ما إن بدأت الأفكار الأنواري تفرض نفسها في القرن الثامن عشر- ذلك أن الطفرة الثقافية لعصر الأنوار لم تأت دفعة واحدة وإنما ساهمت في تحقيقها مجهودات فلاسفة وعلماء سابقين قدموا اللبنات الأولى لهذا العصر، إذ قد نرجع بداياتها إلى العصور النهضوية – حتى شنت الكنيسة المسيحية حربها بشتى الوسائل السلمية والغير السلمية، فلم تظل مكتوفة الأيدي أمام ما تصنعه أقلام الفلاسفة وما يدعون إليه، خصوصا وأن الأفكار الأنواري قدمت بشكل يظهر التوافق الظاهري بين دعاة الفكر الأنواري، ذلك أنهم عبروا عن مواقفهم انطلاقا من موسوعة علمية فكرية بشكل جماعي، مع اختلاف وتنوع المضامين، فما كان ذلك إلا أن يشكل خطرا على مصالح الكنيسة المسيحية، فاتخذت من كتابات الأنصاريين أنفسهم سلاحا لتتهمهم بالهرطقة، والكفر، والخروج عن الملة، وتحريض البشرية بإفساد الروح الجماعية المسيحية.

من غير الصائب أن نظن أن عصر الأنوار كان يعني الكفر والإلحاد أو الخروج عن الدين بالشكل الذي ادعته الكنيسة والأصوليون أنه كذلك، فعلى العكس، لقد كان يعني أساسا بلورة تصور جديد للدين، مخالف بشكل جذري للتصور الأصولي الذي ساد مع أبرزهم وهو بوسيه، هذا الأخير الذي وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع العلم الميكانيكي من جهة، ومع التفسير التاريخي للنصوص المقدسة من جهة أخرى فكلا هذين العلمين يحاولان نقد المعجزات أو الحوادث الخارقة للعادة وإعادة كل شيء إلى تفسيرات طبيعية وتاريخية، لهذا فهما معا يتطاولان على القدرة الإلهية ويحاولان الهيمنة على العلم الإلهي حسبه.

 من الملاحظ إذن أن الفلسفة الغربية أقامت منذ تحولها الحداثي في القرن السابع والثامن عشر علاقة نقدية مع ميراثها الذي أصبح يشكل حجرة عثرة في طريق التقدم والإبداع، ولذا فإن الصراع الذي اندلع بين التنويريين والأصوليين لم يعد يدور فقط حول العقائد الدينية وكيفية تفسيرها، وإنما حول نمط اليقين الديني ذاته، ما معناه أن فلاسفة عصر الأنوار لم يعد اهتمامهم مركزا فقط على الإيمان،ولكن كذلك بحثوا في الصياغة اللغوية للكتب المقدسة كخطوة منهجية تمديديه لمواقفهم النقدية والمناهضة للاعتقاد الديني عامة.

نادت إذن الحركة التنويرية بمجموع مجهودات فلاسفتها إلى دين ذو طبيعة مختلفة عن الدين التقليدي، والذي وجدوا أنه لم يعد صالحا وأن البديل له هو الدين الطبيعي أو ما اتفق على تسميته بالدييزم déisme:أي الإيمان بالله مع عدم التسليم بالعبادات الخاصة بدين معين ففكرة الخالق الواحد يستنتجه العقل بتتبع العالم الطبيعي لهذا فإن هذا النوع يختلف مع ما تقر به التوجهات الملحدة. لتكون أوروبا أمام توجهات ستذهب إلى محاولة إعادة النظر في الدين من باطنه وأخرى تحاول أن تنفي فكرة الألوهية من جذورها، مستعينة في ذلك ببدائل تصورية تتخذ من العلم وميتودولوجيته التجريبية وسيلة لتعرض عن التفسيرات الدينية للكون وتقدم بدلا لها تفسيرات تدعي أنها علمية خالصة من الخرافات الفوق الطبيعية. انتصارا منها للفكر والعلم الميكانيكي الآلي السائد وقتها والملغي لكل ماهو غائي. فيتوجب عليه التمييز بين التنوير المؤمن كما جاء مع فولتير وروسو وبين نظيره الملحد مع كل من ديدرو، وهولباخ، لامتري وغيرهم.

وإذا ما أردنا تلخيص القول عن التيار الملحد لحق لنا ربطه بالتيارات المادية الفرنسية كأقوى صورة لها في القرن الثامن وبعده التاسع عشر والتي نفت أن يكون وراء العالم خالق للمادة وأن هنالك عقاب وجنة، بل كل ما اعترفت به تفسير الكون والحياة الإنسانية بالرجوع إلى ماهو مادي محسوس قابل للمعاينة.

قلنا سابقا أن فلاسفة القرن الثامن عشر دافعوا عن دين هو الدين الطبيعي فما هو هذا الدين وما علاقته بالطبيعة؟ هل المقصود بمفهوم الطبيعة، الطبيعة المادية الخارجية أم ماذا؟.

لقد ورثت الفلسفة الغربية مفهوم الدين الطبيعي عن الحضارة الوثنية اليونانية، فقد ذهبت جاكلين لاغريه في كتابها “الدين الطبيعي” إلى التأكيد على الجذور اليونانية للدين الطبيعي، فبصورته الأولى وبمواضيعه الرئيسية ظهر في العصور الوثنية وبالضبط داخل الوسط الرواقي بسبب الحراك الفلسفي الناتج عن التساؤل عن طبيعة الآلهة وقد تم إحياءه كذلك حسب نفس الكاتبة في العصر الوسيط عن طريق ابيلار لكنه لن يكون إلا وسيلة توفيقية فقط.

غير أن الدين الطبيعي في أسمى صورة له، أي حامل لغايات صريحة نقدية لا هي توفيقية وإنما أفكار ثورية رافضة لمحاولة التفسير الديني بمفهومه التقليدي، كان في القرن الثامن عشر، وهو أمر له ما يبرره فالمرحلة التي دخل فيها الدين الطبيعي إلى الحضارة الأوروبية هي مرحلة مختلفة عن باقي الحقب التي مر من خلالها كيف لا وهو في كنف التنوير، تحت خدمة فلاسفة شهدوا على الإقلاع الفكري والعلمي من جهة، ومن جهة ثانية على التقدم الثقافي الفني الأدبي الذي سيرفعون من مستواه وحدته بفضل مجهوداتهم التي تعج بالقيم الأنواري كالحرية، قيمة الإنسان، وغيرها.

بالرغم مما قيل، فإن ذلك لا يعني بشكل جازم أن كل من قال بالدين الطبيعي قد اتفق مع باقي القائلين به، بل من داخل هذا التيار نفسه نلمس اختلافات وصلت إلى حد التناقض وكانت سببا في بعض الأحيان في نقاشات حادة تبادل من خلالها دعاة الدين الطبيعي الشتم والإهانة ومثال ذلك فولتير وروسو. لذلك فقد نجد الدين الطبيعي في انماط ثلاث: أولها كدين أولي وجدته الفلسفة مناسبا للفيلسوف فولتير الذي جعل منه سلاحا ضد المسيحية والإلحاد أو ضد صيدلية الداعي الرابع. ثانيها كدين عالم للفيلسوف المتشكك دافيد هيوم الذي يربط نقذ الدين بتحليل المعتقد وبشروط تقبل الشهادات التاريخية. والنمط الثالث يجمع بين جان جاك روسو وكانط على أساس أن الثاني قد تأثر كثيرا في كتابه “الدين في حدود العقل” بالفيلسوف الأول، فقد دعا كل منهما إلى إبدال التيار التقليدي المسيطر على الدين بدين طبيعي صريح يقوم على الوجدان عند الأول وأخلاقي يحمي السلام والضمير أو بكل بساطة أحد ملاجئ الانتظام الاجتماعي كما قالت لاغريه عند الثاني.

(*) باحث مغربي في الفلسفة والمجتمع                                  

المراجع والمصادر

– عزب العرب الحكيم بناني، الفلسفة والدين، رهانات، العدد 3 ربيع 2007

– هشام صالح، مدخل إلى التنوير الأوروبي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط1،2005.

– جاكلين لاغريه، الدين الطبيعي، منصور القاضي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،بيروت،ط1،1993.

– جان جاك روسو، دين الفطرة، عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب،2012.

– جان جاك روسو، اعترافات1998، حلمي مطر، المطبعة العربية الحديثة، القاهرة.

اترك رد