بالواضح
في 9 سبتمبر 2025، شهدت العاصمة القطرية الدوحة ضربة إسرائيلية استهدفت مقرًّا لحركة حماس، أسفرت عن مقتل خمسة من أعضائها، بينهم نجل القيادي خليل الحية، بالإضافة إلى ضابط أمن قطري. هذه العملية التي نفذت في منطقة مأهولة كانت أول اعتداء من نوعه على دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي، وأحدثت صدمة دبلوماسية كبيرة على المستويين الإقليمي والدولي، لتصبح نقطة تحول في دور الوساطة القطرية بين إسرائيل وحماس.
لطالما شكلت قطر قناة اتصال هامة بين الطرفين، موفرة فسحات للهدنة المؤقتة وإمكانية إدارة التصعيد. غير أن استهداف الوفد المفاوض دفع الدوحة إلى تعليق جهود الوساطة إلى أجل غير مسمى، معتبرة أن الهجوم يمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة ويقوض أي فرص للحلول السلمية. هذا التوقف أزال عن إسرائيل إحدى أدواتها الاستراتيجية لضبط إيقاع المواجهة، وأدخل الأوساط السياسية والعسكرية في حالة قلق متزايد، إذ لم يعد هناك صمام أمان لتخفيف التوتر أو إدارة الصراع وفق مصالحها.
وقد جاء رد الفعل الأميركي ليؤكد خطورة الموقف على إسرائيل، إذ عبّر الرئيس دونالد ترامب عن استيائه من الضربة، واصفًا إياها بأنها عملية أحادية الجانب لا تخدم مصالح واشنطن أو التوازن الإقليمي. وفي لقاء لاحق مع رئيس وزراء قطر في نيويورك، تم التأكيد على ضرورة احترام سيادة الدولة القطرية وعدم تكرار أي عمليات مماثلة، ما يعكس حجم الإرباك الذي أحدثته الضربة على الحسابات الأميركية والإسرائيلية على حد سواء.
لقد فقدت إسرائيل بهذه التطورات ما كانت تعتبره “بطاقتها الديبلوماسية”، الوساطة القطرية التي اعتادت استخدامها لتجميد التصعيد وضبط إيقاع الحرب والهدنة عند الحاجة. ومع توقف قطر عن لعب هذا الدور، أصبح الصراع أكثر تعقيدًا، والمواجهة المباشرة مع المقاومة الفلسطينية أكثر تحديًا، إذ لم تعد هناك قناة تفاوضية تتيح لإسرائيل التحكم في مجريات الأحداث وفق مصالحها الاستراتيجية.
إن الضربة لم تقتصر على استهداف شخصيات قيادية فحسب، بل أعادت تشكيل المعادلة الدبلوماسية بالكامل، مؤكدة أن المقاومة لم تعد مضطرة لقبول قواعد اللعب التي فرضتها إسرائيل عبر استغلال الوساطة كأداة مرنة للتهدئة. وبهذا، يجد تل أبيب نفسها أمام تحديات استراتيجية أكبر، حيث لم يعد هناك من وساطة تحفظ لها هامش المناورة، ما يجعل أي تصعيد مستقبلي أكثر كلفة وتعقيدًا على المستوى السياسي والعسكري.