الزندقة في القصيدة الأمازيغـية

بقلم: ماحا الحنفي
موضوع الزندقة في القصيدة الامازيغية من المواضيع التي سكت عنها الباحث الامازيغي ، وأظن أنني أول من يضرب بالمجداف في هذا البحر الطويل، ولو أني أردت أن اشخص هذه الزندقة تشخيصا أدبيا لقلت إنها ضرب من السخط على أهل البادية وعاداتهم وأخلاقهم ومحافظتهم على دينهم:
إربي أيسبابــن برحات أماس نــسـوق أيان إسغان كرا أڭيسن أور إتمشيــوير.
مقار اسغـا تيكيطا نيغ إشا تفيفلت. أوكان إصطر العاراضانس أتور إسن يان.
إغ إرا أغروم نتمزين غيكلي سنـــان. أد إخير أڭرن يضرت نتا سوفوس نس. والله أور سول تكابارغ نكي فوموسلم. إغ إلا دوا نكرا ڭيغ ياوين أســـافار . أداغ إفك ربي لوجور كولو المساكين . إڭا العشور الفرض إغرات استي يان . اتيرمت فورتمنكارن افاسن حرمنت. اورا ڭيس تيلي المزيت إونا تــيشان. أزود إدوانو ليدار نيت أور إلي يــات. اورات اتحاساب ربي اغنيت اوكرن اميك.
لا يختلف اثنان في أن لغتنا الامازيغية الجميلة المعروفة بحسنها وجلالها وحلاوة منطقها وعذوبة حديثها وفصاحة لسانها سليلة الحسب والنسب، كريمة القبيلة والعشيرة، صانت حمى العقيدة عبر السنين وتصدت لهجمات الزنادقة والملحدين، فكم من قلم جبار كسرته وكم من لسان حاد أخرسته….. ، إلا أنها لازال يسري فيها سم الزندقة في مجال الشعر لكنه لم يضر جسد اللغة الامازيغية المحفوظة، كما أنه لم يتصد أي باحث لهذه النزعة الآثمة، ولكن هل يمكن اعتبار شعر الهجاء وخاصة النوع الذي لا ينطق بما يوافق الأخلاق والفضائل من شعر الزندقة خصوصا ذاك الهجاء الذي يعمد فيه الشعراء إلى القذف والفحش؟
أكيد فان هذا النوع من الشعر دخل بابا واسعا من الزندقة وخرج عن حدود العبث مع ما ينطوي عليه ذلك المفهوم من عوالق وملابسات ومن أسابه النزوع الفردي والدافع الشخصي. قال احد الروايس للآخر في شريط مسجل يباع في الأسواق: “إناك أيڭان الطوبيس نكي الشيفور نس”
ومن بين الظروف التي ساهمت في نشوء هذه الظاهرة ما يلي:
– ظروف خاصة جاءت لتحطيم معنويات أهل البادية ودس الأكاذيب في عاداتهم وتقاليدهم.
– عوامل اجتماعية وثقافية، سيما وأن الرايس ينتقل من البادية حيث الوحدة والوقار والاحترام إلى المدينة حيث إشاعة الفساد والتحلل والإباحية والطعن في الشعور الديني والعقائدي، حيث تنشأ “الرايسة” على الترف فارغة وحولها الروايس وكبار التجار المولعين بالسمر والذين يوفرون لها من أسباب اللهو ما يمكن أن يتوفر لمثلها من الرايسات الفارغات من متاعب الحياة، حيث تتجول كثيرا من اكادير إلى الدار البيضاء المركزين الأساسين للروايس، تعاشر أمثالها بعيدة كل البعد عن السياسة والدين، ناظمة الشعر، مطوقة إلى الشهرة وكسب الجمهور بأي ثمن ، حيث يتنافسن في ذلك رغم ما يجره هذا التنافس من متاعب، حيث إن صناع الكلمات والألحان يتخيرون حتى هم في بيع هذا النوع من الإبداع السري للرايسة حيث يختارون ذات مال وجمال.
– الشعور بحرية التعبير حيث يفتح المجال للرايس فيتمرد على كل شيء محاولا كسر حاجز المنع و يستطيع أن يقول ما يريد قوله دون مراقبة، فالروايس في المدينة كانت لهم أنديتهم ومجالسهم، يجتمعون على الشراب والغناء والعبث بالنساء، يسرفون في ذلك إسرافا لا يعد له إسراف ويسخرون أثناء هذا الإسراف في الأخلاق والنظم الاجتماعية التي تحظر عليهم ذلك، ويحاولون تخطي الخطوط الحمراء،وارتكاب المآتم والدعوة إلى التحلل الأخلاقي ومجانبة الآداب بدعوى “الحرية الفكرية” أو الجهر بالفجور الذي جاء نتيجة خروج المرأة إلى الشارع ومحاولة انتصارها على الرجل، الروايس والرايسات يلهون ويعبثون ويستمتعون بهذه الحياة الفارغة، ويسافرون إلى عالم المثل حيث يقتنصون أفكارا وأشعارا أحيانا تتناقض مع الواقع.
نظرة حول القصيدة.
النص جزء من قصيدة للرايسة تحيحيت عنوانها”أروكان سيون سيڭيلغ”:
في البداية:
طلبت الرايسة من”تجار البغاء” أن يرفعوا”البريح” وسط سوق الخلاعة مفاده : ألا يتردد احد فيما اشتراه ولو أسقطه حظه في شيء قبيح المنظر “تيكيضا” أو مر المذاق “تفيفلت” وان يستتر ما استطاع كي لا يعرفه احد. وعززت هذا السكوت أو “التستر”بان الذي يشتري من السوق لابد أن يسقط في سلعة انتهت مدة صلاحيتها لأنه في رأيها من رغب في أكل”خبز الدار” ـ أي ضمان الجودةـ فلابد أن يختار الدقيق ويخبزه بيده أي أن يتزوج. تم انتقلت بنا مباشرة لتضعنا في مشهد يصطدم المتلقي ويثير انتباهه حين صنفت نفسها من بين هذين النوعين من”الخبز” وأقسمت بالله أنها لا تمانع في إعطاء الدواء لمن يرغب في شفاء غليله ولا تريد من ذلك سوى نيل اجر المساكين، والمساكين هنا هم الغير المتزوجين، وان ما تقدمه لهؤلاء المحتاجين ما هو إلا زكاة جسدية، هي في نظرها فرض عين لابد من إيتاءه، بل أكثر من ذلك قالت أن حتى الوجبة التي لم تتهافت عليها أكثر من يد “حرام” وان الذي ينفرد بتناولها لا يحس بلذتها كأنها تريد أن تقول أن حتى الذي اختار الدقيق وخبزه بيده لا يشعر بالذوق فيخرج إلى الشارع بحثا عن الخبز العمومي كأمثالها اللواتي يفتخرن بذلك ويعتقدن انه بتهافت الناس عليهن تزداد حلاوتهن، وفي الأخير بررت خروجها إلى حافة الطريق بتشبيه نفسها بالمسكين الذي لا يملك أي شيء فلن يحاسبه الله إذا سرق ما يسد به رمقه.
القصيدة عامة صورة مختزلة لما تعيشه “الرايسة” في المدينة، صورة لمستنقع تنتهك فيه الكرامة والشرف، سوق يرتادوه تجار من نوع خاص ثعالب تقتات مما أكل السبع.. تحلو لها الفريسة المشتركة.. قال عنهم “الرايس محمد الدمسيري”:
لاَّنْ إدْوَا نـْرْبِي غـُورْوَاسْ أنْ إكـَا يَانْ مَانِي غـْرَايْنـْجْمْ لِـيتشِـين أولاَ أزَالِـيمْ لوحة فنية لواقع ظاهره حرية وحلي ومجوهرات وتكشيطات وباطنه ذل وهوان.. واقع سبق للحاج محمد الدمسيري أن أزال عنه الستار حين وصف الرايسة “تحيحيت” بشتى الأوصاف لينقل الصورة الحقيقية إلى ذهن المستمع وتسليط الضوء على الواقع المر الذي تعيشه الرايسة في المدينة التي شوهتها المادية الطاغية والحرية المطلقة والأخلاق المنحلة حتى لا تطمح باقي فتيات الدوار في الهجرة إلى المدينة ولكي لا تغريهن حلي ولباس ومظهر الرايسة، فنعتها بنعوت سهلة الفهم في شكل صور فنية رائعة اقتبسها من الأشغال اليومية للفتاة البدوية (الطحن في الرحى – حلب البقر – جلب الماء) لأن الخطاب موجه أصلا إلى من هي في البادية: الـلـعــاون أيـزرگ نـمـناوت تـكــاتـيــن يـان ئــزضـا گـيـس ئـبـاون ؤرتـنـاك ئفرن
يان ئـزضـاض أسـنگــار وايّـّا تــشـنـتـيـت
الليعـاون أتـمـوگـايـت ؤر ئــكـاتــن يــان
وانـا رايـزيـگ ئـسـكر ســيــم أغـــراس أسـنـا نــرا الحـلـيــب نــطـفـر توالا ناغ تـنـوطـفي نـتمـازيـرت مـساكـم سـلـخـيـر
يــان ئـنـغـا فـاد ئــربـو سـيــم أغـــراف استعملت “الرايسة” مفردات دينية لأنها فعلا تمردت على الدين: والله، فومسلم، ربي، لوجور، الفرض، العشور، حرمنت، العراضا، إتحساب ربي..
ومن أهم الخصائص التي طغت على القصيدة من حيث المعاني هو الالتقاط لمجموعة من المعاني المتداولة في الأوساط الشعبية من الحفاظ على الشرف ، اختيار خبز الزرع، نيل أجر المحتاجين… كل هذه المعاني تبدو مكررة ومعادة تلوكها الذاكرة الأمازيغية .أما من حيث الخصائص الشكلية فإن شعرها هذا يميل إلى التبسيط والتقرير الذي تهدف من ورائهما إلى تكسير الحاجز بينها وبين المستمع لذلك تجنبت المجاز البعيد الإشارة وجنحت إلى الوضوح لأن همها هو إيصال الرسالة إلى المرسل إليه…