العالم العربي بين مطرقة المقاومة و سندان التغيير …

د. طارق ليساوي

“إذا أراد الإنسان أن يعيش، فعليه أن يتغير ” على حد تعبير ” ياسبيرز”. هذه المقولة الفلسفية وإن كانت وصفة سحرية موجة للفرد، إلا أنها مدخل جيد لإنقاذ الشعوب من الانقراض الحضاري… فمشاهد الموت و التشريد و العنف التي مصدرها العديد من بؤر الدمار في العالم العربي والإسلامي، تدعو إلى الوقوف لحظة للتفكير والتأمل ومن تمت البحث عن مخرج أمن لوقف مسلسل الانتحار و الاندحار…

مع نهاية عام 2016 وبداية عام جديد، نسجل أن العالم العربي و الإسلامي على خلاف باقي أقطار و أصقاع المعمورة، يشهد موجة من العنف والهرولة إلى الخلف، سياق عام يعرف تحالفا أسودا بين العنف والاستعباد والتخلف و التبلد و الجهل.. وهي سمة مشتركة طبعت مسار المنطقة طيلة العقد الأخير. أمام هذا التحالف نكون مجبرين على طرح سؤالين محوريين: من المسؤول عن هذا الاندحار؟ و ماهي بوابات التغيير المتاحة؟

أكيد أن الإجابة عن كلا السؤالين في مقال صحفي تكاد تكون مهمة غاية في الصعوبة، بحكم تشابك الخيوط و تداخل العوامل المؤججة لإعصار العنف الذي يجتاح المنطقة فحالة العنف والعنف المضاد  لها أكثر من أب، وبوابات التغيير لها أكثر من منفذ ومدخل:

 أولا – شركاء الاندحار:

الاندحار الذي تشهده المنطقة له أكثر من أب، فهو نتاج طبيعي للاستبداد السياسي في الداخل و التدخل الأجنبي السافر و الاحتلال المباشر أو غير المباشر للعديد من الأقطار العربية و الإسلامية و على رأسها فلسطين، فجزء أساسي من الانهيار مرتبط بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وما صاحب ذلك من تراكم المظالم و المآسي و الانتهاكات  الجسيمة لحق شعب في الوجود و العيش بسلام.

وبينما لا زال الجرح الفلسطيني ينزف، شهدت المنطقة جرحا أخر تدمير العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفاءها، و استمر مسلسل الدمار في أفغانستان و لبنان و اليمن و ليبيا و سوريا..، فحجم الدمار والقتل لن يولد إلا العنف و العنف المضاد، فمشاهد الدم لن تفرز إلا سيكولوجية العنف.

و إلى جانب هذا العنف الذي مصدره التدخل الأجنبي، هناك عنف  الأنظمة السياسية القامعة للحريات و المنتهكة للحقوق ، فالأنظمة الحاكمة من الرباط إلى المنامة مسؤولة عن هذا الوضع المفكك و الدموي، فالشوفينية السياسية و التمسك المرضي بالكراسي و المكاسب  الشخصية و الفئوية ، و الانغلاق على الذات ورفض الرأي الأخر، وتغليب الولاء و الطاعة على الكفاءة و الأمانة، كلها عوامل أفرزت مجتمعات متشرذمة غير قادرة على النمو و الخروج من دائرة التخلف و الانحطاط الحضاري.

فالتخلف و الانحطاط الحضاري و شلالات الدماء هو ثمرة لفشل السياسات العمومية و الانبطاح للمخططات الأجنبية على حساب الإنصات لصوت الشعوب و الامتثال لتطلعاتها المشروعة في التحرر و العيش الكريم، لكن ماهي بوابات تحقيق هذه التطلعات ؟

ثانيا- بوابات التغيير:

وقف نزيف الدم و مسار التفكك يقتضي التغيير و الإصلاح، لكن الحديث عن الإصلاح و التغيير حديث  ذو شجون، فمن أين يبدأ التغيير هل من التربية و التعليم ،أم بالإصلاح السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي؟ الإصلاح و التغيير يمر عبر كل هذه المسارات ، فالعالم العربي و الإسلامي في حاجة إلى مدخلين لابد منهما :

المدخل الأول : حسم الموقف العربي و الإسلامي من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين و باقي البلاد العربية ، فالقضية الفلسطينية مغناطيس جذب لشتات الأمة بمختلف تياراتها و ألوانها، ففلسطين كانت ولا تزال نواة مركزية للأمة ، لكن تفكك الأنظمة و توجهاتها القطرية ضيقة الأفق، أبعدت الشعوب عن الاهتمام بهذه القضية مقابل نزاعات بين الإخوة و الأشقاء في الدين و الوطن و التاريخ…

فحالة  الاحتقان و تأجيج نيران الصراعات الطائفية و الإثنية، و الاصطفاف الطائفي و تقسيم الأمة إلى شيعة و سنة و فرس و عرب … ليست في صالح بلدان العالم العربي تحديدا، فإيران إن تمددت في المنطقة فقد وظفت القضية الفلسطينية و التدخل الأجنبي لتحقيق مكاسب استراتيجية على الأرض ، لذلك فإن مواجهة هذا التمدد ممكنة ومتاحة عبر :

  – دعم الشعب الفلسطيني و توسيع خياراته في مواجهة المحتل الصهيوني،

  – المصالحة العربية / العربية،و العربية /الإسلامية…

  – الوحدة الترابية و الاستقلال الوطني و نبذ التدخل الأجنبي في شؤون المنطقة، فشرعية أي نظام سياسي تسقط بمجرد التفريط في السيادة الوطنية ..وللأسف أغلب البلدان العربية اليومية أصبح قرارها السياسي بيد غيرها…

المدخل الثاني: وتحقيق استقلالية القرار السياسي الوطني و الإقليمي، لن تتم إلا عبر إصلاح سياسي حقيقي يتوخى إعادة القرار للشعوب، فالإصلاح والتغيير الشامل أصبح ضرورة ملحة، فحجم التحديات و التهديدات ينمو وفق متتالية هندسية، فكلما اتسعت الهوة بين الشعوب وحكامها كلما ازداد التدخل الأجنبي…فالأنظمة الحاكمة ضيعت الاستقلال الوطني، و دمرت بنية المجتمعات و تماسكها عبر دعم الخلافات و التباينات الاثنية و الجغرافية، و قمع الحريات السياسية والمدنية، وتقييد حرية الإبداع و الابتكار، وفشلها في تحقيق تنمية سليمة ومتوازنة…

فالعالم العربي و الإسلامي لا يفتقر للموارد، و لكن يفتقر للحكم الرشيد و المشاركة الشعبية الحرة والنزيهة في صياغة القرارات العامة…إن استهانة الأنظمة الحاكمة و صناع القرار بدعوات الإصلاح و التغيير، تكلف الأنظمة و الشعوب معا، لانريد مزيدا من الدمار لبلداننا السيناريو السوري و الليبي و اليمني مؤلم للجميع ، نناشد القوى الحية بالوطن العربي أن تستمع لصوت الحكمة و العقل و الدين ، الدماء التي تسفك والبنية التحتية التي تهدم ستكلفنا قرنا من الزمن لإعادة الوضع كما كان بالأمس، الكل خاسر، المستفيد الوحيد من الوضع الحالي إسرائيل و الغرب، فدماء و أموال أهل المنطقة تسخر لضمان أمن و ازدهار إسرائيل و معها بالطبع البلدان الغربية…

للأسف المنطقة لاينتظرها في القادم من الشهور و السنوات إلا المزيد من العنف و الدمار و التفكك، ما لم يتم وقف مسلسل الانحدار نحو الهاوية، عبر المصالحة بين الشعوب و حكامها و نبذ الخلافات البينية بين البلدان العربية ومحيطها الإسلامي، فأجندة العمل تمر عبر مطرقة مقاومة المحتل الأجنبي، و سندان تحصين الجبهة الداخلية بتغيير فلسفة الحكم من حكم استبدادي فردي أو أوليغارشي إلى حكم رشيد و ديمقراطي…

*إعلامي و أكاديمي مغربي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي

t.lissaoui@gmail.com

اترك رد