بقلم: أحمد الطَّوْد من باريس ستبدأ المرحلة الثانية لرحلة إدريس، حيث انطلق قطار آخر مسرعا نحو لندن .. كان أنخل مستمرا في انشغاله بقاموسه الإنجليزي الإسباني كعادته ، أما المولى إدريس فكان لابد لملء الفراغ أن تجري ذاكرته أسرع من القطار في اتجاه الماضي مستعرضة أحداث رحلة كان قد قام بها قبل عامين [ من يراني يحسب أنني أتأمل الطبيعة بينما أنا في الحقيقة كنت أتأمل جزءا مضيئا من ثلاثة أشهر كاملة عشتها في هولاندا ] (ص69) . نحن الآن أمام استرجاع قام به إدريس ليعود بنا إلى صيف 1966 تحديدا . بوصوله إلى أمستردام قصد صديقين مغربيين فلم يجدهما ، لكنه حصل من المسؤول عن مأوى الطلبة على عنوانهما الجديد . وفي سيره حاملا حقيبته فاجأنا بقوله : [ وجدت نفسي أردد لحنا قديما لم يخطر ببالي منذ إقامتي في مدريد :
لم يعد قلبي ولا فكري معك
لم تعد كل المنى أن أسمعك
فكرت في صديقي الشاعر في آخر لقائنا البعيد كان قد صارحني بأن (…) لاتزال تلهمه أشعاره بالرغم من فراقها وزواجها من غيره ] (ص71) . وهنا لابد من وقفة قصيرة لنسجل : ذلك البيت الذي ردده إدريس ملحنا هو مطلع أغنية شهيرة كتبها الشاعر محمد الخمار الكنوني، ولحنها الموسيقار عبد السلام عامر- وهما من أبناء مدينة القصر الكبير-، وغناها المطرب عبد الوهاب الدكالي سنة 1961. فهي إن كانت زمن كتابة (البعيدون) قديمة نسبيا، فإنها زمن رحلة إدريس إلى هولاندا (1966) كانت ما تزال محتفظة بجدتها.. فما سر هذه الصداقة التي عقدها صاحب (البعيدون) بين إدريس وهو شخصية افتراضية، والشاعر محمد الخمار الكنوني وهو شخصية واقعي؟ أم أنه إنما افتعل هذه الصداقة للنيل بأوصاف قدحية من ( … ) التي زعم أن الشاعر صارحه بأنها ما تزال تلهمه أشعاره؟. نسجل السؤال وفي جعبتنا الكثير مما يقال في الموضوع. وفي رأينا أن المرحوم محمد الخمار الكنوني لو كان ما يزال على قيد الحياة ما كان صاحب (البعيدون) ليجرؤ على ذكره وادعاء صداقته ونسبة تلك الترهات إليه. لأول مرة يتواضع إدريس فيطلعنا على حالته المادية المزرية ، فعند وصوله إلى أمستردام، أخبرنا:[ لو كنت أملك أموالا لتسلطنت وأصدرت أوامري لطاكسي يختال بي عبر هذه الجسور إلى حيث المهدي وعبد الهادي، لكن مدخراتي لم تكن تزيد عن خمسة دولارات حولتها في أحد مصارف الطريق إلى بضع خولدات، واحتفظت بورقة صغيرة خضراء من فئة عشر دولارات أحكمت إخفاءها في جيب سترتي تحسبا لكل مكروه] (ص72). ولا يهمنا من أين سقطت عليه تلك الورقة الخضراء بعد أن صرح بأن كل مدخراته لم تكن تزيد عن خمسة دولارات، فهذه زلة سردية بسيطة. لكن المهم هو قوله: [ كم أنا مشقتاق في هذه اللحظة لبيلار.. بفستانها الصيفي الأزرق.. ماري كارمن كان لابد منها لإضرام نار الغيرة في قلب بيلار، أراها الآن تختال بين الأجسام البرونزية المتناترة كالورود حول حافة المسبح الجامعي] (ص74). إن لم يكن هذا هو الوفاء في الحب فماذا يكون؟ أخيرا التقى صديقيه، استرعى انتباهه شعر المهدي الكثيف، أحالاه على الطالب الهولاندي “أريي تال” الذي سيقدم له “كريستيان آيسن” وهي طالبة هولندية تدرس الأدب الإنجليزي ( لا نعرف لماذا سماها صاحب (البعيدون) كريستيان وهذا اسم رجل، وكان يمكن تسميتها بمؤنث هذا الاسم في هولندا: كرستيانا، أو بالاسم الشائع الذي يطلقه الأروبيون على الإناث: كريستين ). منذ لقائهما الأول زعم لها أنه هو أيضا ينحدر من “جسر الصفصاف” قرية جدها لأمها نواحي غرناطة الأندلسية، وأن جده الأكبر ترك عروسه الحامل في القرية حين هاجر إلى المغرب دون أن يتمكن من استقدامها زمن الحرب ومحاكم التفتيش. وفي رأيه أن [ الكذب على النساء لابد منه ولو في البداية] (ص84). ثم قال لها في جدية مصطنعة: [ أنا لا أشك مطلقا أنك حفيدة تلك الزوجة فملامحها تنطبق عليك بالتمام والكمال](ص77). وشرع يصف عروس جده ، ففطنت كريستيان إلى أنه يصفها هي، فتظاهرت بتصديقه ثم انفجرت ضاحكة : [ ألم تكن لها حقيبة يد مثل هذه؟.. وبما أنك انتظرت خمسة قرون لتقابلني فلا بأس لو انتظرت قرنا آخر .. قرنا واحدا لا أكثر ] (ص79). وقبل انصرافها لتستقل قطار العودة إلى أوتريخت حيث تقيم عائلتها ، قبلته على وجهه . وبسرعة البرق تلاشى اشتياقه إلى بيلار بفستانها الصيفي ، وضرتها ماري كارمن وهي بجسمها الوردي تختال في المسبح. وصارح أريي تال برغبته الجامحة في لقاء كريستيان من جديد ، لأن قلبه أصيب منها بالطلقة الأولى. وقضى [ خمسة أيام كأنها خمسة أعوام ، كنت أعد الوقت بالساعات فصرت أعده بالدقائق…] (ص79). وأخيرا [ لاحت كريستيان آيسن كما يلوح القمر فجأة في ليل حالك الظلام ]. رتب في ذهنه الدور الذي سيقوم به في الملهى الليلي للسيطرة عليها. [… ألم تسألني إن كنت مارست الإخراج المسرحي، أنا الآن أمارسه على خشبة الواقع، وأنا المخرج وأنا البطل، وجمهوري هو كريستيان آيسن، إذن علي أن أسيطر على جمهوري] ( ص79). هكذا تحول حبه لها إلى رغبة في السيطرة عليها.. و[ امتدت يدي دون إرادة مني تعب الكؤوس في حلقي (كذا) ، كل كأس إضافي يمنحني شجاعة وقدرة على تنفيذ هواجسي… وانتصبت أمامها آمرها بالرقص فلبت ] (ص80) ، وكيف لا تلبي أمرا صادرا عن سمو الأمير قمر ذلك المكان في تلك الساعة من الزمان. وخلال مراقصتها طوقها قائلا : [ ها قد مر قرن بعد خمسة قرون من البحث عنك]. فكان لابد أن تجيبه – وهو من هو – قائلة : [ وها قد جئتك بنفسي لأكفيك مشقة البحث عني]. وكأن المسكينة لم تكن تنتظر خلال ما مر من سنوات عمرها سوى هذا الأمير المغربي القصري ليسيطر عليها. حاول استدراجها للحديث عن تاريخ العرب في غرناطة، فاعترضت: [ أنا متخصصة في الآداب الإنجليزية ولا أهتم كثيرا بالتاريخ ] وبجوابها وجد الفرصة مناسبة ليربط بين الأدب والتاريخ: [ الأدب بدون تاريخ كالطعام بدون ملح]، ثم استطرد: [ شيكسبير حين كتب (عطيل) كان يجهل التاريخ] فــ[ لو كان مطلعا على تاريخ بلادي لما جعل عطيلا ينتحر من أجل إثم ارتكبه مخدوعا.. شيكسبير أعطى عطيلا منطق الرجل الأروبي فسمح له بقبول صداقة زوجته للرجال، وليس هناك في تاريخ قومي امرأة واحدة متزوجة لها أصدقاء رجال] (ص81). وبعد سطور قليلة سيوسع دائرة جهل شيكسبير لتشمل ثقافة عطيل : [عطيل قائد عجوز من أصل مغربي، والمنطق الذي يتحلى به القائد العظيم يتنافى وليونته بالسماح لزوجته في اختيار جندي صديقا لها… ثم إن المغربي لا يثني على زوجته عشقها للطرب وإجادتها الرقص كما فعل عطيل، وبذلك فإن شيكسبير أظهر جهلا بثقافة عطيل] (ص82). والواقع أن صاحب (البعيدون) وهو يُنطق بطل روايته بهذا الكلام كان هو الجاهل الحقيقي، ولا نعرف أكان قرأ مسرحية عطيل ولم يستوعب مضامينها أم أنه سمع بها ممن لم يفهموها. عطيل لم يكن مغربيا بالمعني الدقيق لكلمة (مغربي)، بل كان من أصل مغربي. بعد أسْره وهو في حداثة سنه انقطعت الأسباب بينه وبين بلاده، وعاش في المجتمع الإيطالي وتعلم لغته واكتسب عاداته وتقاليده وتدين بدينه وتشبع بثقافته واندمج فيه اندماجا كليا حتى لم يبق فيه من المغرب إلا نسبته إليه على ألسنة الناس. وحتى اسمه البربري اختفى ليحمل اسما إيطاليا هو (ottello) ومعناه: الحذر.. كما يؤكد ذلك جبرا ابراهيم جبرا في مقدمة ترجمته لمسرحية (عطيل) عن الإنجليزية إلى العربية. لقد فرض عطيل نفسه على المجتمع الجديد لا بانطوائه على مغربيته، بل بانفتاحه على الحياة الإيطالية وانصهاره فيها، فحظي بثقة مجلس الأعيان، وارتقى حتى احتل رتبة قائد عسكري، كما أن بطولاته وتجارب حياته القاسية التي كان يحكيها لوالد ديزديمونة أكبرته في عينيها وأعلت قدره في في نفسها ورققت عواطفها نحوه، وعندما آنس من نفسه ميلا إليها اتخذ ملازمه كاسيو رسولا ينقل إليها بلباقته وفصاحته مشاعره، وكان عطيل مطمئنا إليه واثقا من حسن سلوكه ونقاء ضميره ونصاعة شرفه، فكان أن انتهت وساطة كاسيو بين العشيقين بأن ضحت ديزديمونة وغامرت فتزوجت عطيل سرا دون علم والدها. فما معنى اتهام شيكسبير بالجهل؟ وحتى لو سلمنا بمغربية عطيل فسنصل إلى أن شيكسبير لم يكن جاهلا بثقافة المغاربة، ولكن إدريس هو الجاهل الأكبر الذي لا يعرف التنوع السائد بين المغاربة منذ قرون، وجهله هذا هو الذي أوقعه في تعميم غير واقعي بادعاء أن [ ليست هناك في تاريخ بلادي امرأة متزوجة لها أصدقاء رجال]، فإن كان هذا الادعاء صحيحا إلى حد ما في المدن، فهو مناف للحقيقة في كثير من البوادي وخاصة في المناطق الأطلسية حيث نجد في المجتمع البدوي أنماط سلوك مختلفة كليا عن الأنماط المعهودة في المدن، فالبوادي المغربية تعرف انفتاحا بين الجنسين بحكم قلة عدد سكان القرية، وتجاور مساكنهم، وترابطهم القبلي، واشتباك مصالحهم. ثم إن المرأة البدوية المغربية شريك فعال في الإنتاج، فهي تعاون زوجها في الأنشطة الفلاحية المختلفة، وترافقه إلى الأسواق، وأهم ما تتميز به القروية هو سفور وجهها، وعلاقتها مع أبناء قريتها هي علاقة صداقة تنبني على الثقة والاحترام والتقدير. وخير دليل نكحل به عيني صاحب (البعيدون) هو الرقصات الجماعية في المواسم والمناسبات ، تلك التي يتحرك فيها الراقصون والراقصات بأياد متصافحة وأصابع متشابكة حركات بديعة على إيقاع موسيقى أغان جميلة. كان لإدريس وهو يحاور كريستيان همَّان: الهم الأول: أن ينهي الحديث لفائدته أمام دفاعها عن شيكسبير هي التي [ لا تزعم امتلاك المعرفة، بل تتركها تنساب على لسانها في تواضع العارفين] (ص84) كما وصفها. فحين ردت عليه قائلة: [من العبث أن يُنظر إلى عطيل منفردا ، بل يجب النظر إليه في إطار باقي العناصر الأخرى لأنه يستمد كيانه منها وليس من تاريخه أوذاته] ، لم يخجل أن يردد في نفسه: [ أعجبتني نظريتها فطلبت منها أن تعيدها على سمعي علني أكسب بعض الوقت لأجد وسيلة أنهي بها الحديث في هذا الأمر]. (ولا نريد أن نزيده تأزما بسؤاله عما إذا كان جواب كريستيان (نظرية) ، فلو كان يعرف دلالة الكلمة لما عبر بها). لقد خاف أن يسقط قناع فهلوته فاضحا فراغ جعبته الثقافية ، فإذا به يغير مجرى الحديث مفصحا عن الهم الثاني : [ ليس الجو مناسبا للحديث في التاريخ ، فالشراب قد أثقل رأسي ولساني ، وعطرك قد أيقظ أحاسيس بداخلي كادت تصدأ ] (ص84) .( ما هو معدن أحاسيسه التي كادت خلال أسبوع واحد تصدأ؟!!) . وكأن أحاسيسها نحوه كادت هي الأخرى تصدأ ، فما كان للبرد القارس تلك الليلة الصيفية إلا أن [ ينهزم أمام الحرارة الأبدية التي نفذت إلى عروقنا ] (ص84). ألم يخبرنا من قبل عن [ حرارة التيار الذي لسعني من لمسها – أثناء رقصهما – وهي منتصبة عبقة بروائح العطر والشهوة] (ص83). فهل قصد شهوتها هي أو شهوته هو ؟ اسألوه .. فالكلام على نية المتكلم. ومهما يكن من أمر، فكريستيان هي التي غنى لها وجعلها تردد معه هذا المقطع من إحدى أغاني أمريكا اللاتينية في ستينيات القرن الماضي: “أنا أسير نظراتك/ أسير كلماتك/ وأخاف إن فك أسري/ أصير حرا إلى لا شيء” وأوهمها أن هذا المقطع الغنائي هو ميثاقهما المشترك. فلا غرابة أن تشتهيه، أليس هو قمر المكان الساطع بضوء الزمان؟. لكن المثير للغرابة حقا هو أنه طوى ثلاثة أشهر كاملة فقفز قفزة طولية هائلة من سهرته تلك مع كريستيان في نهاية الأسبوع الأول من إقامته بأمستردام، ليصل سريعا إلى لحظة توديعها له في محطة القطار، ناسيا عمدا أن يسجل في (مذكراته) مبلغ فاتورة تلك الكؤوس التي كانت يده – ويا لروعة العبارة ودقتها – (تعبها في حلقه) في الملهى الليلي، وناسيا أيضا أن يذكر لنا كيف استطاع بتلك الدولارات الخمسة – التي حوَّلها في أحد مصارف الطريق إلى بضع خولدات يوم وصوله إلى أمستردام – أن يسدد مصاريف إقامته فيها طيلة ثلاثة أشهر .. ثلاثة أشهر كاملة قضاها يستيقظ آخر الصباح وينام في آخر الليل ويمضي وقته – حسب تصريحه – في اكتشاف المدينة السابحة فوق الماء (ص76) . أما أخطر ما نسي ذكره عمدا وقصدا هو أن يخبرنا باللغة التي كان يتكلم بها مع الطالب الهولاندي أريي تال وحبيبته الجديدة المؤقتة كريستيان. وهذا ما سنعرضه لاحقا بعد عدة سطور. لكنه لم ينس أن يختم شريط تلك الذكريات المسترجعة بأنه أهدى كريستيان أثناء توديعها له في محطة القطار منديلا لتجفف به دموعها. ولا ندري أي الدموع كانت أغزر هطولا: دموع كريستيان التي ودعته قبل عامين في محطة أمستردام؟ أم دموع بيلار التي ودعته أمس بمحطة الشمال في مدريد؟ ليته قدم لنا مقاييس انهمار دموع عاشقاته بالميليمترات المكعبة لنعرف أيهن أكثر بكاء. أي أيهن أكثر إسعادا له بعذابها في حبه. (يـتـبـع)