اللحوم الحمراء و المقاطعة و نظامنا الغذائي..

بقلم: يونس فنيش
بكل صراحة و الله أعلم، الدعوة إلى مقاطعة الغلاء كلام فاضي لثلاثة أسباب:
1- لأن المقاطعة تلقائية و واقعية من طرف من ليست لهم القدرة المادية لشراء ما يشتهون من لحم و سمك و دجاج، مثلا، و أما بالنسبة لفئة “الفقراء الجدد” (أنظر (كتاب”Démodikè 2 la fin de la démocratie” الذين فقدوا انتماءهم للطبقة الوسطى بسبب الغلاء غير المنطقي و أصبحوا بالكاد يسددون ما عليهم من فواتير شهرية، فقد يلجؤون إلى اقتناء مواد غذائية كاللحوم، مثلا، عن طريق الإقتراض في نضال مستميت حتى لا يشعر أطفالهم الصغار بالنقص و الحرمان، و هذا خطأ لأن اقتناء المأكل “الفاخر” ليس استثمارا إلى حد ما، ولكن الأكيد أن كل و فلسفته في الحياة…
2- لأن التجربة في مجال المقاطعة تقول بأنها تبقى حبيسة المواقع الإجتماعية مادام الغلاء يهم تقريبا جميع المواد الغذائية، و لأن من يحثون عليها سرعان ما ينشرون لائحة المواد العديدة التي يجب مقاطعتها، و هذا أمر مستحيل لأن لا يمكن مقاطعة اللحم و البيض و الفلفل و الطماطم و السمك الأبيض و الدجاج إلى آخره … و إلا لأصبح إضرابا عن الطعام، ناهيك عن كون الغلاء الفاحش يعتبر فرصة ذهبية لبعض مشاهير الفئة الشعبية الفقيرة الإنتهازية في السوشيال ميديا لإنشاء صفحات و قنوات متخصصة في المقاطعة بهدف الإغتناء عبر الأدسنس على حساب الطبقة الفقيرة نفسها، ثم في ما بعد إذا ارتفع عدد المشاهدات في صفحاتهم و قنواتهم و أصبحت مؤثرة معنويا فقد يتم بيعها إلى جهات ما، بإيعاز من فئة تجار جشعين، ربما، مقابل مبالغ مالية مهمة… فينتهي حماس المقاطعة في الإنترنت و يستمر الغلاء الفاحش بلا مشاكل و ينتصر.
3- لأن كلما ارتفعت أثمنة بعض المواد الأساسية ذات الجودة كلما ازداد الإقبال عليها من طرف طبقة الأغنياء، فلا يتضرر التجار عامة رغم مقاطعة تلك المواد من طرف “الفقراء الجدد” -و هو شيء مستبعد-، و أما الطبقة الوسطى فهي لا تقاطع بحكم التركيبة السيكولوجية التي تخصها.
إذا فالرأى أمام هذا الوضع العام الذي يخص المجتمع برمته أنه لا يمكن، ربما، سوى التفكير في نمط غذائي جديد متوازن بأقل تكلفة ممكنة إلى أن ينزع الله الجشع من القلوب، بصفة عامة، و الإجتهاد في إبداع وصفات اقتصادية تعتمد على قطع صغيرة من الدجاج، مثلا، لتحضير الطاجين مع تعويض اللحوم الحمراء بالبيض
-إن لم يتضاعف ثمن هذا الأخير أيضا بسبب الإقبال عليه- خاصة و أن ارتفاع ثمن اللحوم الحمراء المحلية ذات الجودة العالية عند الجزار ارتفعت و استقرت في حدود 140 درهم -و الكبد في حدود 180 درهم- كما أنها اختلطت عند البائعين مع اللحوم المستوردة ذات الجودة المنخفضة جدا و التي لا يتجاوز ثمنها 35 درهم عند الإستيراد حسب بعض العارفين…
إذا فتغيير النظام الغذائي بالنسبة لفئة عريضة من الناس بات مفروضا بحكم الواقع الآن، و لذلك المطلوب من خبراء الطاجين الإنكباب على التفكير في تلقين نمط جديد في الطبخ لعامة الناس حتى لا نفقد جزءا من حضارتنا المبنية على الذوق الرفيع رغم غياب اللحوم الحمراء في الأطباق، خاصة و أن هذا غياب أصبح يخص الطبقة المتوسطة أيضا و ليس طبقة الفقراء فقط.
و الله أعلم و تحية عالية إلى القراء الشرفاء الأعزاء.