الموضوع: إشكالية الحداثة و التقليد عند محمد سبيلا

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: كريم زكطة

 

كثيرة هي أعمال المفكر المغربي محمد سبيلا، و متنوعة هي اهتماماته و انشغالاته، لكن مفهومه المركزي الذي لم يكف يوما عن نحته و تعميقه فهو مفهوم الحداثة، إنّه المفهوم الذي توقّف سبيلا عند التباساته و تعدد معانيه، وهو المفكّر الذي يعيش في بيئة التقليد و التأخّر التاريخي،  فما هي المعاني التي أضفاها سبيلا على الحداثة ؟ و ما هي علاقة الحداثة بالتقليد ؟ و أين يمكن أن نموقع مفهومه عن الحداثة ضمن خارطة المشاريع الحداثية الأخرى ؟

بصفة عامّة، الحداثة هي نتيجة مخاض تاريخي طويل ممتدّ و حافل بالمنجزات العلمية و الفكرية و الفلسفية و الفنية إلخ و يؤرّخ لبدايتها انطلاقا من عصر النهضة التي انطلقت في ايطاليا’ و ما تلى ذلك إلى عصرنا الراهن، لا يهتمّ سبيلا كثيرا بالتأريخ للحداثة لأن ذلك عمل المؤرخ، بل انشدّ كمنشغل بالفلسفة إلى الأسس الفلسفية للحداثة 1 ، و من يلاحظ أنّ الحداثة قد واكبت تحولات فكرية حاسمة في المعرفة “2 حيث طغى الجانب التقني؛ و في الطبيعة؛ حيث غدا الكون لا متناهيا أمام نظرة الذات المفكرة، و في الزمن؛ الذي أصبح خطّيا ممتدّا، ثمّ في الإنسان؛ الذي صار عاقلا و مُريدا و حرّا” تحتوي هذه التحولات على أسس فلسفية كبرى تميّز الفكر الحديث، و هي عبارة عن سمات ثلاثة:

أوّلا، مبدأ الذاتية الذي كان لفترة الأنوار و الثورة الفرنسية و الإصلاح الديني أدوارا رئيسية في تأسيسه، فهو يتشبّع بدلالات أربع كما هو عند هيجل و كما يلخصها هابر ماس: “1-الفردانية، 2-الحقّ في النقد 3- استقلالية العقل 4- الفلسفة التأملية”3

المبدأ الثاني هو العقلانية كسمة ملازمة للذاتية، حيث يندرج مفهوم النسبية، و تسود عقلانية حسابية صارمة، تسعى إلى السيطرة على الطبيعة و إخضاعها و تسخيرها لخدمة الإنسان و مصلحته، أمّا السّمة الثالثة فهي غياب المعنى التي يعبّر عنها ماكس فيبر ببراعة ب ” افتقاد العالم لسحره ” 4 أي انتفاء المقاصد الفانية الكبرى التي كانت تشدّ و تزيّن العالم التقليدي.

لم يسلم مفهوم الحداثة، بوصفه تحوّلا جذريّا على كافّة المستويات التي أشرنا إليها أعلاه، من سهام نقد سبيلا، فانطلاقا من أعمال نيتشه، و هايدغر، و فوكو، و بودريار، سيدرك أنّ للحداثة مزالق و عواقب في علاقة الإنسان بالطبيعة، كما أنّ الحداثة حداثات و مدارات و آفاق متجدّدة، و كلّ حداثة لها تأثيرها على الذات و العقل و الحرّية، و إضفاء المعنى، لأنّها محطّات و ليست بؤر ثابتة ” لها تواريخها و جغرافياتها أيضا ” 5 لكن و بقدر ما كان سبيلا ناقدا، بقدر ما ظلّ متبرّما من تيّار ما بعد الحداثة ” و على الخصوص في الفكر العربي، حيث يرى هؤلاء أنّ الحداثة انتهت، و خلفتها مرحلة جديدة و هي ما بعد الحداثة، لكنّ سبيلا سوف ينتقد هذا المفهوم الخاطئ، في نظره، و يرى أنّ الحداثة البعدية هي جزء نقدي من الحداثة، أي حسب تعبيره هي حداثة أعمق و أرسخ قدما ”  إنّها ليست إلا الحداثة في مرحلتها الثانية أو اللاحقة، أي الحداثة و قد وسّعت مكتسباتها  و رسّختها، و وسّعت مفهومها للعقل ليشمل اللاعقل و وسّعت مفهومها عن القدرات الإنسانية لتشمل المتخيّل، و الوهم، و العقيدة و الأسطورة ” 6 .

و بهذا فالحداثة هي في الأساس حركة متوترة و سعي ذؤوب نحو التجاوز المستمر للأوهام.

بناء على ما سبق يمكن أن نستشفّ العلاقة التي تجمع الحداثة بالتقليد، و بما أنّ الحداثة هي توتّر و إرادة سيطرة و هيمنة و في نفس الوقت هي تجاوز دائم و تحطيم مستمر لقيود الوصايا، و زعزعة للجمود، فإنّ علاقتها بالتقليد سوف تكون لا محالة علاقة صراع، إنّ الحداثة هي ” حركة انفصال تقطع مع التراث و الماضي ” 7 و لهذا فهي تتوسّل باستراتيجيات و تكتيكات قهرية، فهي تحويل للجواهر إلى علاقات، و للماهيات إلى سيرورات، و للغايات إلى وسائل ” فتنقطع بذلك علاقة الحداثة بالتقليد بعنف شديد و بتمزّقات” 8، ما يؤدّي إلى مخاض عسير من الفعل و ردّ الفعل، يقدّم فيه التقليد تنازلات سواء عن وعي أو غير وعي، و كمثال على ذلك قبولنا في المغرب لثمار الحداثة،و بعض آلياتها التحديثية دون مبادئها و أسسها.

لكن إذا كانت الحداثة حركة انفصال و قطع مع التراث و الماضي فهي تقوم بذلك ” لا لنبذه  و إنّما لاحتوائه و تلوينه و إدماجه في مخاضها المتجدّد، و من ثمّة فهي اتصال       و انفصال، استمرار و قطيعة، استمرار تحويلي لمعطيات الماضي و قطيعة استدماجية له ” 9، إذن فالحداثة ليست قطيعة مع التراث، و يتّضح أنّ سبيلا لا يدعو أبداً إلى التخلّي عن هذا الأخير و الإرتماء في حداثة أوربا، لأنّ الحداثة حداثات، حيث تنفلت بذلك ثنائية الاتصال  و الإنفصال.

يبدو في الأخير أنّ لفكر محمد سبيلا أصالته و فرادته التي تميّزه عن باقي المشاريع الفكرية التي تناولت مبدأ الحداثة، فهو مشروع فلسفي نقدي حذر، يوفّي الذات حقّها في النقد، كما يوفّي الآخر حقّه، و هو بذلك لا يسقط في جلد الذات و احتقارها، كما يتجنّب ظلم الآخر بالتركيز على شيطنة منجزاته و نواياه، إنّنا هنا بحقّ، أمام نقد مزدوج، يعي منطلقاته ويوسّع حدوده باستمرار، و يهدف إلى الإنخراط في زمن عالمنا الحداثي.

– محمد سبيلا ، الحداثة و ما بعد الحداثة، دار توبقال، 2007، ط 2.

– نفس المصدر ص.ص: 8-14.

– ”     ”         ص 18.

– نفس المصدر، ص 20.

– ”      ”     ، ص 44.

– ”      ”     ، ص 62.

– محمد سبيلا و عبد السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفية، دار توبقال: 2008، ط3، ص5.

– محمد سبيلا، الحداثة و ما بعد الحداثة، ص22.

– محمد سبيلا وعبدالسلام بن عبدالعالي، الحداثة ص5.

اترك رد