تكنولوجيا البلوكتشين… بين حرية الابتكار وتحديات السيادة القانونية في المغرب

في خضم التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، برزت تكنولوجيا البلوكتشين كأحد أبرز الابتكارات التي أعادت رسم ملامح النظام المالي العالمي. فهذه التقنية، التي تقوم على مبدأ اللامركزية والشفافية، أفرزت منظومة مالية موازية تتجسد في العملات المشفرة والعقود الذكية، ما جعلها اليوم في قلب النقاشات القانونية والاقتصادية والسيادية في مختلف دول العالم.

وفي المغرب، تتزايد الحاجة إلى تأطير قانوني واضح لهذه المعاملات المالية الجديدة، خصوصا في ظل غياب نصوص تشريعية تنظمها بشكل مباشر. وقد بادرت الحكومة مؤخرا إلى طرح مشروع قانون ينظم الأصول المشفرة على بوابتها الإلكترونية من أجل التعليق العمومي، في خطوة تعكس إدراكها لضرورة ملاءمة الإطار القانوني الوطني مع التحديات الرقمية الراهنة.

تحولات مالية… وتحديات قانونية

تشير دراسات أكاديمية حديثة إلى أن التعاملات المالية المبنية على البلوكتشين، مثل البيتكوين والإيثيريوم، لا تقتصر على كونها ظاهرة اقتصادية، بل تمثل تحدياً قانونياً وسيادياً في آن واحد. فالنظام الذي تقوم عليه هذه التكنولوجيا ينبع من فلسفة ليبرالية ورأسمالية تضع حرية الأفراد فوق سلطة الدول، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول قدرة الأنظمة القانونية التقليدية على مواكبة هذا التحول.

فالعقود الذكية مثلاً – وهي اتفاقيات رقمية تنفذ تلقائياً دون وسيط – تطرح إشكاليات جديدة أمام المشرّعين، مثل تحديد المسؤولية القانونية وآليات التنفيذ والإثبات في حال وقوع نزاعات. أما العملات المشفرة، فقد أصبحت تشكل تهديداً محتملاً لسيادة البنوك المركزية على النظام النقدي، خصوصاً مع صعوبة تتبع المعاملات العابرة للحدود.

المغرب أمام سباق تشريعي عالمي

وفي الوقت الذي لا يزال فيه المغرب بصدد مناقشة الإطار القانوني المناسب، تسارع دول أخرى الخطى لترسيخ مكانتها في هذا المجال. فإمارة دبي على سبيل المثال وضعت قانوناً خاصاً لتنظيم الأصول الافتراضية، فيما أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية في 6 مارس 2025 أمراً تنفيذياً يقضي بإنشاء مخزون احتياطي استراتيجي من أهم العملات المشفرة مثل البيتكوين والإيثيريوم، في إشارة واضحة إلى الرهان الاقتصادي والسيادي لهذه الأصول الرقمية.

نحو رؤية وطنية شاملة

خلصت بعض الأبحاث المغربية الحديثة إلى ضرورة تسريع سن إطار قانوني وطني متكامل ينظم المعاملات المالية الرقمية ويواكب التطورات التقنية دون إغفال متطلبات الأمن المالي للدولة. فتنظيم هذا القطاع لا يعني التضييق على الابتكار، بل ضمان استثماره بما يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز تموقع المغرب في السوق الرقمية الدولية.

وفي انتظار صدور النصوص النهائية لمشروع القانون، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل سيتمكن المغرب من تحقيق التوازن بين حرية الابتكار المالي وحماية سيادته الاقتصادية في عالم تتراجع فيه الحدود أمام قوة التكنولوجيا؟

اترك رد