تمويلات الدولة للأحزاب… الريع و المال السايب!
تكشف تقارير المجلس الأعلى للحسابات حقيقة تدبير المال العام داخل الأحزاب السياسية، بعضها يمسك ببيانات المحاسبة وبعضها الآخر يصرف أموال الدعم بدون رقيب، وفئة ثالثة لا تُعرف الوجهة التي أخذتها هذه الأموال، فهي لم تودع في حساب الحزب أصلا. فحص وتدقيق حسابات الهيآت السياسية والتأكد من صحة نفقاتها برسم الدعم السنوي الممنوح لها للمساهمة في تغطية مصاريف التدبير، تحول إلى اختبار سنوي في كل مرة تسقط فيه بعض الأحزاب، التي تعجز عن تبرير نفقاتها أو تقدم بيانات غير مشهود على صحتها أو لا تقدم شيئا للمجلس الأعلى للحسابات، بمعنى أنها «تشفط» المال العام دون إيداع أي حساب، كما هو الشأن بالنسبة إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الديمقراطيون الجدد، برسم السنة المالية 2014.
وفق آخر تقرير حول مالية الأحزاب السياسية، فإنه من أصل ثلاثة وثلاثين (33) حزبا، التي أدلت بحساباتها السنوية إلى المجلس برسم السنة المالية موضوع البحث، تبين أن ثمانية عشر (18) حزبا قدمت حسابات مشهودا بصحتها من طرف خبير محاسب مقيد في هيأة الخبراء المحاسبين، منها أحد عشر (11) حزبا أدلت بحسابات مشهود بصحتها بدون تحفظ، وخمسة (5) أحزاب قدمت حسابات مشهودا بصحتها بتحفظ، وحزبان (2) قدم كل منهما حسابا مشهودا بصحته، إلا أن تقرير الخبير المحاسب لا يشير إلى أن القوائم التركيبية من شأنها أن تكون صورة أمينة لأصول الحزب. سبعة أحزاب قدمت تقارير خبراء محاسبين لم تتضمن صيغة الإشهاد بصحة الحسابات، وثلاثة أحزاب قدم كل منها تقريرا اعتمد فيه الخبير المحاسب مراقبة محدودة، بينما أدلت خمسة أحزاب بحساباتها دون تقديم تقرير خبير محاسب. في مظاهر الفساد المالي للأحزاب أيضا، أن هيآت سياسية أدت بعض نفقاتها نقدا رغم أن مبلغها يتجاوز عشرة آلاف درهم، مخالفة بذلك المادة 40 من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، وأخرى تلقت هبة مالية من جهات أجنبية، وهو ما يدخل في باب التمويل الأجنبي الذي يعاقب عليه القانون باعتباره يخالف مقتضيات المادة 39 من القانون نفسه. أما بعض الأحزاب فلم تقدم ما يفيد طرق صرفها للمبالغ التي حصلت عليها من الدعم العمومي، رغم أن هذا التصرف يخالف منطوق المادة 42 من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، الذي يلزم الأحزاب أن «توجه إلى المجلس الأعلى للحسابات في 31 مارس من كل سنة جردا مرفقا بمستندات إثبات صرف النفقات المنجزة برسم السنة المالية المنصرمة، وبجميع الوثائق المتعلقة بالحسابات».
ويمارس المجلس الأعلى للحسابات مهام الرقابة على حسابات الأحزاب طبقا لمقتضيات الفصل 147 من الدستور، التي تنيط به «مهمة تدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وفحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية»، وإذا تبين له أن الحزب لم يدل بالمستندات والوثائق المثبتة المطلوبة، أو أن المستندات المدلى في شأن استعمال المساهمات المذكورة، لا تبرر، جزئيا أو كليا، استعمال المبلغ المذكور طبقا للغايات التي منح من أجلها، فإن الرئيس الأول يوجه إنذارا إلى المسؤول عن الحزب من أجل تسوية وضعيته، تحت طائلة أن يفقد حقه في الاستفادة من الدعم السنوي دون الإخلال باتخاذ التدابير والمتابعات القضائية. وبعيدا عن النص، فلا أحد سمع بتحريك المسطرة في مواجهة المخالفين، وكأننا أمام حالة تطبيع مع الفساد ترعاه المؤسسات.