حرب البقاء.. هل هي خروج عن المألوف؟

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: وفاء بسيوني

إن هذا العمل الفنّي للكاتب سفيان البرّاق من وجهة نظري الشخصية، أيقونة في عالم الأدب، وإحياءٌ للقصة القصيرة، ونموذجٌ ينبغي الاحتذاء به في صفوفِ الشباب والشابات اللذين عزفوا عن الكتابة. إنه خير دليلٍ على وجود طاقات إبداعية شابة في وطننا العربي التي ينبغي تشجيعها والاحتفاء بها، كما أنه خير دليل على احتفاظ بعض الشباب بماهية معاني الأحاسيس الصادقة، والمشاعر الدفينة، والتي بكلِّ صراحة ظننتها لفترة طويلة غائبة في صفوف شباب وطننا العربي.

قراءتي إذن لهذه التحفة الفنية بعثت أملاً فياضا في وجداني، وأشعلت وميض تفاؤل عميق في نفسي، لدرجة أنني لم أستطع غلق أجفاني حتى أتممت القصة في نفس الليلة. الله شاهِدٌ على تلك الساعات الطِوال التي أمضيتها في مخلدي، حاملة بين كفي كنزاً من الكنوز، يحملُ في طياته دررا ليست كباقي الدرر. إنها “حربُ البقاء” يا سادة، وما تحمله من أحاسيس ومشاعرٍ جياشة.

قادتني إذن هذه المجموعة القصصية نحو عوالم متعددة ومُختلفة، فتارةً في دروب الحب والغرام مع “رحيل ليلى” و”صيرورة المشاعر” و”عندما أحببت فتاة معاقة” و”أحلامٌ مغتصبة”، وتارةً أخرى طافت بي في العوالم النفسية للكاتب سفيان البراق، و تحديات حياته الشخصية والاجتماعية في باقي القصص.

وبصفةٍ عامة، عملت هذه القصة بشكلٍ أساسي على استعراض مشاعر الكاتب سفيان سواء بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة، فحينما يصف لنا حنين السارد ليلى في قصته الأولى، فإننا نقرأُ من خلال ذلك مدى تطلُّع الكاتب للحب كشعورٍ صادق ونابع من القلب، وعندما نقرأ باقي قصصه الغرامية، نستشعر مدى سعي الكاتب المتألق سفيان وراء إعادة الاعتبار لهذا الإساس الفاضل الذي تاه في عصرنا الآني وفَقَدَ معناه، هو إذن من خلال أبطال قصصهِ والأحداث التي تربط بينهم، يهدف إلى إعادة تعريف الحب والرقي به إلى مكانته ومنزلته الحقيقية.

ولعلّ ذلك ما أضفى على هذه المجموعة طابعاً خاصاً وهو حديثُ الكاتب عن حياته الخاصة، فرغم كونها مليئة بالعقبات والتحديات، إلا أنها لا تخلو من تطلعات لحياةٍ جديدة وآمالٍ متعددة.

فقد حدّثنا سفيان البراق مراراً عن تجربته الكئيبة مع الفقر والوهن والاحتقار، وأوضح لنا تصرفات بعض من أقربائه الذين تجاهلوه وتناسوا وجوده. وأطعمنا الألم والحسرة، وقادنا إلى السير وإياه في دروب الفقر واليُتم والاضطهاد.

وقد عبّر الكاتب عن كل ذلك بأساليب لا يَسعُنا القول عنها أنها أساليبٌ جد راقية وجِدُّ سلسة، تخاطب القارئ بكل وضوح، وتناجي خواطره بكل سهولة. تبرهنُ هذه المجموعة القصصية إذن على مدى مهارة وموهبة الكاتب سفيان البراق التي تجاوزت المألوف، بل وأنها في نظري بلغت من البلاغة قدر مستوى الأدباء الكبار. حتى أنّني أرى في عمل سفيان بلاغة وفصاحة جبران خليل جبران في عديد من المقاطع القصصية.

فهنيئاً لكَ يا سفيان بهذا العمل الفني الرائع والمميز، وهنيئاً للمغرب بوجود طاقات شبابية إبداعية مؤهلة مثلك. وكلُّ ما يمكنني قوله هو أن هذه المجموعة القصصية عملٌ أدبي ناجح يستحق كل التقدير والتنويه. وحقيقة، لا أملك أي انتقادات سلبية سوى ملاحظة صغيرة وهي سبب موت ليلى في نهاية القصة الأولى والذي بات مجهولاً. وددتُ لو تم التوضيح بشكل أفضل سبب الموت هذا. وعدا ذلك، فالعمل الأدبي متقن وجِدُّ متميز.

هكذا إذن أكون قد وصلت إلى نهاية مراجعتي هذه، أنا لا أعرفُ حتى إن كانت مراجعة جيدة، لكنني دوّنت هنا ما استشعرت من خلال قراءتي لهذه المجموعة القصصية، وأضمنُ للكاتب سفيان مستقبلاً زاهرا في هذا الميدان. كيف لا وحتى اسمه يُنبؤهُ بذلك؟ فليس بالغريب كون نسبه “البرّاق”، إذ برّاقةٌ بالفعل هي كتاباته، وبراقةٌ بجد هي أساليبه، و براقٌ حتماً هو قلمه.

اترك رد