حين ينخرط المثقف في المعركة الخطأ …. مقاربة الدكتور امحمد جبرون للمشكلة اللغوية نموذجا
بقلم: عبدالله الجباري
أجرت جريدة الأيام الأسبوعية حوارا مع الأستاذ امحمد جبرون حول موضوع ما اصطلح عليه “التناوب اللغوي” الذي يرمي إلى إجبارية تلقي مواد دراسية باللغة الفرنسية.
وبدل أن يعمل الأستاذ على ترقية وعي الجماهير بمقاربة علمية وتمريرها لهم بلغة مبسطة. عمد إلى تزييف الوعي من خلال مقاربة أقل ما يقال عنها أنها الدرجة الصفر في العلمية.
ويمكن أن نستدل على درجتها الصفرية من خلال النقاط الآتية:
1.. حاول الأستاذ أن يصم تصرف المغاربة بالتناقض. فادعى أن أغلب المغاربة يدرسون أبناءهم في مدارس البعثات والمدارس الخصوصية. ويسعون إلى إجادة أبنائهم للغة الفرنسية. وبالمقابل يرفضون تعزيز موقع تلك اللغة ومكانتها.
والكلام عن الأغلبية والأقلية في هذا السياق. ليس سوى وسيلة لتسويق مغالطته اللاعلمية. لأنه لم يعتمد على إحصاءات رسمية أو غير رسمية لنعرف من خلاله أن الأغلبية تدرس أبناءها في البعثات الأجنبية والتعليم الخصوصي. والواقع الذي لا يرتفع أن الإحصاءات الرسمية تقول عكس ادعاءاته. لأن نسبة المتمدرسين في القطاع العمومي أكثر من غيرهم. وهم الذين ينطبق عليهم وصف الأغلبية. وكثير من المدن الصغرى والبوادي لا وجود فيها للقطاع الخاص التعليمي.
وعلى فرض صحة دعواه وهي ليست صحيحة. فإن سعي تلك الأغلبية إلى إجادة الفرنسية ليس دليلا على أنهم يستسيغون تلك اللغة ويفضلونها. بل يتعاملون معها باعتبارها خيار الضرورة. وأن الواقع يفرضها عليهم. بدليل أنهم يقبلون عليها ويرفضون تعزيز مكانتها حسب عبارته. وهي وحدها كفيلة في نقض دعوى التناقض التي وصم بها المغاربة. فكان كمن يهدم بنيانه بيده دون أن يدري.
2.. بالنسبة لربط اللغة بموضوع الهوية. عمل الأستاذ جاهدا للتهوين من المسألة. على اعتبار أن لغات أخرى ومنها العبرية كانت تشكل الهوية المغربية. ثم صارت العربية. ويمكن أن تزول. وأن ذلك سنة التاريخ التي لا نقدر على مقاومتها… وهي لغة تنشر الانهزامية في المجتمع.
كما أن مجرد افتراض زوال اللغة العربية من مكونات الهوية المغربية وإمكان حلول لغة أخرى بدلها دليل على قبضته الرخوة على هويته التي يجب عليه أن يتمسك بها بقوة. وأن يقتدي بالفرنسيين فيها. لكنه يريد استيراد لغتهم دون استيراد مبادئهم المجردة. وهذا من جهوده في تزييف وعي المغاربة.
وفي نفس المجال. هل يستطيع الأستاذ جبرون أن يقول: إن المغاربة عرفوا النظام الملكي ضمن هويتهم. ويمكنهم أن يعيشوا مستقبلا تحت نظام جمهوري. لأن الهوية ليست شيئا جامدا.
إن استطاع قول ذلك سلمنا لها بحواره كله.
ومن مخاطر القبضة الرخوة على الهوية. يمكن لغيره أن يقول : إن المغاربة لم يكونوا مسلمين. ثم صاروا مسلمين. ويمكن أن يكونوا غير مسلمين لاحقا. لذا وجب إخراج مكون الإسلام من الهوية.
وهكذا دواليك حتى لا تبقى الهوية المغربية مكونة إلا من الطماطم والبصل وقليل من الفلفل.
أما وصفه للهوية بالسجن. واستعماله عبارة “سجن الهوية” فهذا دليل على عدم فهمه للهوية ورحابتها وشساعتها وقدرتها على احتضان الشعوب والمجتمعات.
الهوية هي شخصية الإنسان الحرة. وليست سجنا يقيد الحرية.
الهوية تميز الإنسان عن غيره من أبناء الهويات الأخرى. والدعوة إلى الانفلات من سجنها ليس سوى تمييع للإنسان والثقافة والمجتمع.
بعد ذلك أدرج الأستاذ ” الهوية” ضمن المفاهيم القاتلة. وهذه كارثة كأختها.
كل هذا التبخيس من الهوية ليدعو إلى تجاوزها والاعتماد على مصالحنا الاقتصادية والسياسية ونعطيها الأولوية .
إن القيم والمبادئ لا نتعامل معها بمنطق المصالح. بل نتشبت بها ونعض عليها بالنواجذ ولو تعارضت مع المصالح.
مثال: الأب مريض مرضا ميؤوسا من علاجه. إذا استحضرنا منطق الأستاذ المرجح للمصالح الاقتصادية. يمكن اللجوء إلى القتل الرحيم. أو على الأقل. إلى إهماله وعدم استعمال الأدوية لأن الإنفاق عليها ليس من ورائه فائدة أو مصلحة. وإذا استحضرنا القيم والمبادئ -وهي أخت الهوية- وجب الاعتناء بالأب ولو لم يحقق ذلك مصلحة اقتصادية.
والأمثلة على ذلك كثيرة جدا.
3.. قال الأستاذ: ربما قد يكون ذلك سببا في إعادة صوغ الهوية.
وها غريب جدا.
إعادة صوغ الهوية الآن. وبعد سنوات. يدعو آخر إلى إعادة صوغ الهوية. وهكذا دواليك.
هذه العبارة لا تستقيم إلا إذا شبهنا الهوية بعجينة خبز. وهذا وحده دليل على أن الأستاذ لا يفهم معنى الهوية.
4.. أقدمت الوزارة على الفرنسة قبل المصادقة على القانون. وهذا ما علق عليه الأستاذ بقوله: يبدو أن وزارة التربية ربحت الكثير من الزمن في علاقتها بباقي شركائها في هذا الموضوع. وذلك بمبادرتها إلى تنزيل مقتضيات الفرنسة. وكان لديها الخبر اليقين في أن المشروع سيمر.
هذا التصريح هو دليل كاف على التخلف الذي يستسيغه جبرون ويقبل به ولا يجد غضاضة في مباركته.
كان عليه لو كان مثقفا بانيا أن يتوقف عند هذه النقطة ليندد بسلوك الوزارة المتعارض مع أبسط مبادئ الحداثة.
وهو تنزيل المقتضى بعد التصديق عليه قانونا. أما عمل الوزارة فهو تبخيس للبرلمان وليس ربحا للزمان.
ولنا أن نتصور وزارة التربية بفرنسا. لو أنها أجرأت مقتضى قبل صدوره من البرلمان. كيف سيتعامل معها مثقفو فرنسا.
الفرق بيننا أن لا جبرون عندهم.
ولا تفوتني مسألة أساس. وهي أن جبرون متناغم مع نفسه. لأنه من دعاة التحكم ومناصريه. وأسلوب الوزارة هو أسلوب التحكم.
5.. قال الأستاذ : أيهما أضر بالطالب المغربي؟ الإبقاء على الوضع على ما هو عليه؟ أم تدريس العلوم والمواد التقنية بالفرنسية؟
لو الزم الأستاذ بالحد الأدنى من العلمية. لأضاف فرضية أخرى. ولما اكتفى بما ذكر. ولقال: أم تعريب التعليم العالي؟
فلماذا أقصى هذه الفرضية؟
6.. أشار إلى عجز الدولة عن تعريب التعليم العالي.
وهذا خطأ محض. لأن الدولة لم تعجز. بل لم ترد. وفرق بين العجز وبين الإرادة.
7.. أثار الأستاذ مسألة الجدوى الحضارية من التعريب. وحاول أن يثير مسألة في نظره غاية في الخطورة. وهي استحالة تعريب الفيزياء في الجامعة ما دام أنه لا توجد ولو مجلة علمية محكمة باللغة العربية في هذا التخصص.
شخصيا. لا أعرف. هل كان الأستاذ يتكلم بجد أم بهزل.
من الأسبق يا أستاذ. التعريب أم المجلة؟
من الحماقة إيجاد مجلة علمية محكمة في المغرب باللغة الكورية. لأن الفيزياء لا يدرس بهذه اللغة.
كذلك لا يعقل إنشاء مجلة علمية محكمة باللغة العربية.
نعم. بعد تعريب التخصصات يقدم الباحثون على تأسيس مجلات بلغة التدريس.
8.. ساق الأستاذ دليلا على مغالطاته. وهو أن المغرب يتنفس تنمويا واقتصاديا في الفضاء الفرنكفوني.
وهذا ليس دليلا قويا. لأن المغرب له علاقات قوية جدا بإسبانيا. تاريخية واقتصادية. كما له علاقة بالاتحاد الأوربي بكل لغاته ومكوناته. وله علاقة بالفضاء العربي والأمريكي.
ومن الغرابة أن يصف أستاذنا الهوية بالسجن. في حين يصر على سجننا في الفضاء الفرنكفوني.
مفارقة غاية في الغرابة.
9.. حاول دعم فكرته بعدد من الطلبة المغاربة الذين يستكملون دراستهم في فرنسا.
وهذا أيضا ليس دليلا.
لأن القاعدة العالمية أن من أراد استكمال دراسته في دولة أخرى عليه أن يتحمل تعلم لغة التدريس بها لمدة عام على الأقل.
فالفرنسيون يتوجهون إلى أمريكا ويدرسون بالإنجليزية.
والإسباني حين يتوجه إلى اليابان للدراسة لم يفرض على بلده التدريس باليابانية.
لماذا يصر مثقفونا على أن نتشبت بالشذوذ عن القاعدة العالمية؟
ثم. المغاربة يكملون دراساتهم في اسبانيا ورومانيا وروسيا وأوكرانيا وألمانيا. فهل نتخذ ذلك ذريعة للتدريس بكل هذه اللغات؟
10.. حاول الأستاذ أن يقنعنا بصحة الفرنسة. بناء على الجهود التي تبذلها فرنسا لصالح المغرب في أروقة الاتحاد الأوربي.
ولا نملك إلا أن نقول مع نجاة اعتابو: هاذي كذبة باينة.
العالم كله يعرف أن فرنسا تدافع عن مصالح فرنسا فقط. ولا تدافع عن مصالح المغرب أبدا.
ولنا أن نتذكر كيف ابتزت المغرب فرد عليها الحسن الثاني بإدراج الإسبانية في نشرات الأخبار. وكيف رد عليها بتحفيز المغاربة على إرسال برقيات مؤدى عنها للرئيس الفرنسي. وكان المغاربة مصطفين على شكل طوابير في مكاتب بريد المغرب.
وما بالأمس من قدم. حيث ابتزت فرنسا المغرب في قضية مدير المخابرات. فما كان من المغرب إلا أن يخرج أنيابه. فتراجعت فرنسا. ووشحت الحموشي بوسام بعد ذلك. أين دفاعها عن مصالحنا إذن؟
11.. تلفظ الأستاذ جبرون بكلام لا يمكن توصيفه إلا كونه كارثة. حيث قال: التبعية بالنسبة لدولة كالمغرب أمر لا مفر منه.
المنهج العلمي يقتضي دراسات مقارنة.
اسبانيا لم يكن لها لترتقي لولا دعم الاتحاد الاوربي. ورغم ذلك لا تؤمن بالتبعية.
كوريا كانت كالمغرب. ولم يتلفظ مثقفوها بمثل هذه الكبيرة التي صدرت عن جبرون.
إيران كانت غارقة في التبعية. وبعد الثورة قررت الاستقلالية. ونجحت في ذلك.
تركيا في عهد توركوت أوزال كانت مثل المغرب. ولما جاء أردوغان. لم يقل: التبعية لا مفر لنا منها. ولو قالها لترك تركيا تتسول في دروب العالم وأزقته.
إن الادعاء بأن التبعية لا مفر منها ليس سوى كلام عابر لأداء خدمة مجانية لفرنسا. أقول مجانية حتى لا أقول شيئا آخر.
هذه جملة ملاحظات. وهناك أخرى تعمدت عدم ذكرها لصعوبة الكتابة بالهاتف.
وعموما. فالحوار كله من ألفه إلى يائه غير علمي البتة.