خطب الجمعة الموحدة في المغرب: بين ضبط الرسالة الدينية واتساع المقاطعة الصامتة للمصلين

بقلم: نعيم بوسلهام

في السنوات الأخيرة، أثار اعتماد خطب الجمعة الموحدة في المساجد المغربية نقاشًا متصاعدًا داخل الأوساط الدينية والثقافية والإعلامية، بين من يراها خطوة تنظيمية لضبط الخطاب الديني وتفادي الانفلات، وبين من يعتبرها إجراءً بيروقراطيًا جرّد المنبر من روحه التفاعلية، وحوّل الخطيب من فاعل تربوي إلى قارئ لنص رسمي. غير أن أخطر ما كشفته هذه التجربة ليس فقط الجدل النظري حول حرية الخطيب ووظيفة المنبر، بل بروز ما يمكن وصفه بـ “المقاطعة الصامتة” لدى شريحة من المصلين، اتخذت أشكالًا متعددة وهادئة لكنها دالة.
هذه المقاطعة لا تُرفع فيها شعارات، ولا تُكتب عنها بيانات، لكنها تُقرأ بوضوح في السلوك: تأخر متعمد عن حضور الخطبة، حضور للصلاة دون إنصات فعلي، أو انتقال إلى مساجد أخرى كلما أمكن ذلك. وهي ظاهرة تستحق قراءة تحليلية هادئة، لأنها تمس صميم العلاقة بين المؤسسة الدينية الرسمية وجمهور المسجد.

فكرة توحيد خطبة الجمعة انطلقت في سياق معلن هدفه “تسديد التبليغ” وتجاوز بعض الاختلالات في الخطاب المنبري، خاصة في ظل التخوف من توظيف المنبر في الصراعات الإيديولوجية أو السياسية. من حيث المبدأ، لا يعترض كثيرون على توحيد الخطبة في مناسبات وطنية أو قضايا جامعة. غير أن تحويل هذا الاستثناء إلى قاعدة شبه دائمة خلق حالة من التوتر الصامت.
المسجد بطبيعته فضاء محلي حيّ، مرتبط بأسئلة الناس اليومية: بطالة، تعليم، أسرة، قيم، نزاعات اجتماعية، تحولات ثقافية. وحين تُبث نفس الخطبة — بالصياغة نفسها — في قرية جبلية وحي حضري ومدينة ساحلية، يفقد الخطاب جزءًا من وظيفته التداولية. يصبح أقرب إلى “بلاغ مركزي” منه إلى موعظة متفاعلة مع السياق.
النتيجة أن كثيرًا من المصلين لم يدخلوا في مواجهة، لكنهم انسحبوا نفسيًا من التفاعل.

التحول الأبرز الذي سجله منتقدو التجربة هو تراجع دور الخطيب الاجتهادي. فالخطيب، تقليديًا، ليس مجرد ناقل نص، بل وسيط معرفي وتربوي يختار الموضوع ويصوغ الرسالة ويكيّفها مع جمهوره. توحيد النصوص أفقده — في نظر منتقدين — هامش المبادرة، وحوّله إلى مؤدٍّ صوتي.
هذا التحول له أثر مزدوج:
إضعاف دافعية بعض الخطباء أنفسهم، شعور جزء من المصلين بأن الخطبة لم تعد “تخاطبهم” بل “تُتلى عليهم” وحين يفقد المنبر عنصر التفاعل، يفقد معه عنصر التأثير.

ورغم فشل الدعوات الرقمية الصريحة التي ظهرت في بعض منصات التواصل لمقاطعة صلاة الجمعة كليًا — وقد وُوجهت بانتقادات واسعة من علماء ودعاة — إلا أن الواقع الميداني كشف عن نمط آخر أكثر هدوءًا وأوسع انتشارًا: المقاطعة الجزئية أو السلوكية.
من مظاهرها:
الحضور المتأخر المتعمّد بعد انتهاء الخطبة
الانشغال داخل المسجد وعدم الإنصات
التنقل بين المساجد بحثًا عن خطيب يضيف من عنده شرحًا أو تعليقًا
فتور التفاعل مع مضامين الخطبة
المفارقة أن هذه المقاطعة لا تصدر غالبًا عن فئات هامشية دينيًا، بل عن فئات مثقفة أو مهتمة بالمعرفة الشرعية، ومن ضمنها متعاطفون مع تيارات إسلامية أو سلفية وطلبة علم، مع إدراكهم للأحكام الفقهية التي تشدد على عدم ترك الخطبة أو مفارقة المسجد بلا عذر معتبر. لذلك اختاروا شكلًا “احتجاجيًا منخفض الصوت” بدل القطيعة الكاملة.

الدولة، من جهتها، تنطلق من مبررات مفهومة: ضبط المجال الديني، منع التوظيف الحزبي، توحيد الرسائل الكبرى، حماية الأمن الروحي. غير أن المقاربة التنظيمية الصرفة، حين تُطبَّق بصرامة نصية، قد تُنتج أثرًا عكسيًا: خطاب منضبط شكلاً، ضعيف الأثر مضمونًا.
الخطبة ليست نشرة إخبارية، ولا درسًا مدرسيًا موحدًا. هي فعل تواصلي حي. وأي إفراط في مركزة النص قد يؤدي إلى تجفيف المنبع المحلي للمعنى.
لذلك يبرز طرح وسطي أكثر توازنًا:
بدل خطبة واحدة إلزامية، يمكن توفير نماذج متعددة معتمدة حول نفس الموضوع، أو تحديد محاور عامة وترك هامش الصياغة للخطيب، بما يحفظ وحدة التوجيه دون قتل روح المنبر.

الرسالة التي يجب الإصغاء إليها
المقاطعة الصامتة أخطر من المقاطعة المعلنة؛ لأنها لا تُجادل، بل تنسحب. لا تصرخ، بل تفتر. وهي — في المجال الديني — مؤشر على فجوة تواصل أكثر منها تمردًا.
المنبر كان دائمًا مساحة تفاعل لا تلقين فقط. وإذا تحوّل إلى نص مركزي يُعاد بثه أسبوعيًا بأصوات مختلفة، فالمشكل لا يكون في انضباط الخطباء، بل في انصراف القلوب.
إصلاح الخطاب الديني لا ينجح بالتوحيد الشكلي وحده، بل بإعادة الاعتبار للمعنى، والسياق، والاجتهاد المسؤول. فالمصلون لا يقاطعون النص فقط، بل يقاطعون ما لا يشعرون أنه يخاطب واقعهم.

اترك رد