“سأعتقله”… هل يدرك السياسيون ثمن الكلمات؟
بقلم: هشام بلحسين
أثار التصريح الذي أدلى به إدريس الأزمي الإدريسي لوسائل الاعلام جدلا واسعا، بعدما قال إنه لو كان وزيرا لما استقبل مسؤولًا إسرائيليا بل قد يعتقله. تصريح وضع المتابعين أمام سؤال جوهري: هل نحن أمام زلة لسان عابرة، أم حماسة خطابية غير محسوبة العواقب؟
الزلة، بطبيعتها، تكون لحظة انفلات لغوي سرعان ما يُبادر صاحبها إلى توضيحها أو تصحيحها. غير أن ما صدر لم تعقبه مراجعة أو توضيح يخفف من حدته. أما الحماسة الخطابية فهي اختيار واع لنبرة تصعيدية تُخاطب العاطفة أكثر مما تستحضر ميزان الدولة وتعقيدات القرار السيادي. وفي الحالتين، تبقى الكلمة السياسية محكومة بسياقها وتداعياتها، خاصة حين تصدر عن قيادي يُفترض فيه إدراك حدود الممكن والمسموح في منطق العلاقات الدولية.
الحديث عن “اعتقال مسؤول دبلوماسي” لا يمكن فصله عن الإطار القانوني المنظم للعلاقات بين الدول، حيث تحكمها اتفاقيات وأعراف واضحة تمنح الحصانة للمسؤولين خلال أداء مهامهم الرسمية. لذلك رأى كثيرون في التصريح تجاوزا لحدود النقد السياسي المشروع، وانتقالًا إلى خطاب رمزي تصعيدي قد يُفهم كدعوة إلى خرق تلك الأعراف، بما قد ينعكس سلبًا على صورة الدولة والتزاماتها.
لا خلاف حول مركزية القضية الفلسطينية في وجدان المغاربة، كما أن للمغرب امتدادًا إنسانيًا وتاريخيًا يتمثل في وجود يهود مغاربة يعيشون في إسرائيل ويحافظون على روابطهم الثقافية والروحية مع وطنهم الأم. كما لا يُنكر حق أي فاعل سياسي في التعبير عن موقفه من التطورات الإقليمية. غير أن التعبير عن القناعات المبدئية يظل محكومًا بميزان دقيق: كيف تدافع عن موقفك السياسي دون أن تمس بصورة الدولة أو تضعها في موقع حرج دبلوماسيًا؟
المغرب، الذي راكم تجربة دبلوماسية عريقة، يتعامل مع ملفاته الخارجية وفق رؤية مؤسساتية تحكمها اعتبارات استراتيجية وقانونية. ومن هذا المنطلق، يصبح الخطاب السياسي مطالبا بأن يعكس هذا العمق، لا أن ينزلق إلى عبارات قد تُقرأ خارج سياقها أو تستثمر بما لا يخدم المصالح العليا.
هنا يتجدد السؤال: هل كان ما صدر مجرد تعبير عاطفي في لحظة خطابية مشحونة؟ أم أنه يعكس تصورًا سياسيًا لا يراعي تعقيدات التوازنات الدبلوماسية؟ في كل الأحوال، تظل الحاجة ملحّة إلى استحضار أن السياسة ليست حلبة لتسجيل النقاط أو كسب التعاطف اللحظي، بل مجالًا لإدارة المصالح وصون صورة الدولة.
فالكلمة في الشأن العام ليست ملكا لصاحبها وحده، بل تتحول فور صدورها إلى رسالة داخلية وخارجية. وبين الزلة والحماسة، يبقى الفيصل هو الوعي بأن الخطاب المسؤول لا يقاس بحرارته، بل بقدرته على الجمع بين الثبات على المبادئ واحترام قواعد الدولة.