عالم السوشيال ميديا.. عندما تنقلب الموازين وتتراجع القيم

بقلم: هشام بلحسين
في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتداخل فيه الحدود بين الحقيقة والخيال، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منصة حاضنة لظواهر اجتماعية غريبة على عقول الكثيرين، حيث باتت القيم والأخلاق تتعرض لتحديات غير مسبوقة، وأصبح مَن يُطلق عليهم “المنحلون أخلاقيًا” يُشاهدون كمرشدين، و”الأحمق” يُنظر إليه على أنه حكيم، و”الغبي” يُروج كداعية.
انقلبت فيه الموازين وتغيّرت المعايير ولم تعد الاخلاق ثابتة إذ تتغير وفقًا لموجات الإنترنت، حيث يختلط الحابل بالنابل، ويختلط الصالح بالطالح. كثير من المحتوى الذي يروج للابتذال، والعنف، والخروج عن القيم أصبح يُحصد تفاعلات عالية، فيما يُحرم من يُنصح بالحكمة والتوجيه من التفاعل، بل ويُصبح غير مرغوب فيه، بل ومُستهجن.هذا الاختلال في المعايير يهدد نسيج المجتمع، ويُضعف من الروابط الأخلاقية التي تربط بين أفراده، ويؤدي إلى تراجع في مستوى الوعي والمسؤولية الاجتماعية. فبدلاً من أن تكون وسائل التواصل أدوات لتعزيز القيم ونشر المعرفة، أصبحت أحيانًا ساحة للفوضى والانحراف.
و تعود هذه الظاهرة إلى عدة أسباب، منها ضعف الرقابة، وغياب الضوابط الأخلاقية، وانتشار المحتوى غير المسؤول الذي يُروج لمفاهيم مغلوطة، إضافة إلى تهاون بعض المستخدمين في تصنيف المحتوى الصحيح من غيره. وفي الوقت نفسه، تُعطى منصة للمنحلين أخلاقيًا، والحاقدين، والمبتذلين، الذين يستغلون شهرة وسائل التواصل لنشر الأفكار الهدامة.
هذه الحالة تؤدي إلى فقدان الثقة في القيم والأخلاق، وتخلق جيلًا يفتقد لمبادئه، ويبحث عن الشهرة والانتشار بأي وسيلة كانت، مما يهدد استقرار المجتمع وتهدد أسس التعايش السلمي. لهذا بات من الضروري أن يتحمل المجتمع، والمؤسسات الإعلامية، والمنصات الرقمية مسؤولية كبيرة في وضع إطار أخلاقي يحدد المحتوى المسموح والممنوع، مع ضرورة التوعية المستمرة بأهمية القيم والأخلاق، وضرورة تفعيل القوانين التي تردع كل من يروج للانحراف أو يهدد استقرار المجتمع.
كما أن على الأفراد أن يكونوا أكثر وعيًا، ويدركوا أن المصلحة العامة تتطلب مسؤولية جماعية، وأن القيم والأخلاق هي الأساس الذي يبني عليه المجتمع المتحضر.