عصيد والفيزازي حداثيون أم رجعيون؟ (ح 1)

بين الصورة البارزة والعنوان

 بقلم:د. محمد وراضي

    قد يخطر ببال أي قارئ لعنوان هذا المقال، أن الاتصاف بالحداثة يصدق على عصيد، وأن الاتصاف بالرجعية يصدق على غريمه الفيزازي. وهذا يعني أنني ملزم منطقيا بإثبات هذه الأطروحة إن أنا أيدتها، وفي الوقت ذاته، ملزم بإثبات العكس إن أنا عارضتها. و قد أذهب إلى حد القول بأن الإثنين كليهما رجعيان متخلفان.        

    فإن صح أن الحداثة فكر نوراني، وأن الرجعية فكر ظلامي، فإن الظلامي بإطلاق، ينبغي أن لا تنصرف بخصوصه عقولنا إلى الدين، أو إلى كافة ما يتصل به من بدع ومن تعزيم ورقية، وشعوذة، وسحر، وخداع، ومكر ، ومختلف أنواع التدليس، والكذب، والرياء، والنفاق، والتملق، إذ أن مجالات الفكر الظلامي عريضة متشعبة. يكفي أن نحدد هنا نوعين منه: فكر ظلامي ديني، وفكر ظلامي سياسي.

   ومتى حصرنا الفكر الظلامي في هذين الإطارين، تساءلنا عما إذا كان عصيد من حماتهما؟ بحيث تكون مفروضة علينا الإجابة عن السؤال هذا المطروح الذي هو في الوقت ذاته مثير للاندهاش؟ 

    نقول: إن القبول بإحلال الفكر العلماني، محل الفكر الإسلامي، في مجال تسيير الشأن العام، قبول مشترك بين علمائنا ومثقفينا. فالسلفيون المخضرمون بين عهد الاستعمار وعهد الاستقلال، لم يكن همهم ضرورة العودة إلى النظام الإسلامي الذي ألغته “معاهدة الحماية” فور  تخلصنا من الاستعمار، وإنما كان همهم منحصرا في مواجهة البدع والضلالات أولا، ثم في القضاء على الاستعمار ثانيا.

   لكنهم بعد التخلص من الاستعمار بفضل المجاهدين المخلصين، انقطعوا عن مواجهة المبتدعات، كفكر ظلامي مقيد للعقول التي ينبغي أن تكون متحررة نيرة، وانضموا إلى القيمين على تنظيم شؤون الأمة من علمانيين. فعلال الفاسي لم تحصل بينه وبين التصوف أية قطيعة صريحة طوال حياته. فقد ألف فيه كتابا عنوانه “التصوف الإسلامي في المغرب”. والذي أعده للطبع بعد وفاته عبد الرحمان بن العربي الحرشي. وفيه من الأضاليل ما يكشف عن عقلية حائر بين الانتصار للدين الحق، وللدين المشوه؟ وللاتجاه العلماني الدخيل؟ إضافة إلى تمتعه بما هو دنيوي من خلال ما شغله من وظائف، من جملتها وزارة الأوقاف. فضلا عن كونه أستاذا بكلية الحقوق وبدار الحديث الحسنية في فترات، ثم فضلا عن كونه ممن يحشرون أنوفهم في الحفلات الرسمية؟ وما حصل له – والانقلاب الأول على الحسن الثاني  في الصخيرات قائم – لا يمكن إلغاؤه بجرة قلم. فقد كاد يلقى حتفه بعد أن أرغم على الانبطاح أرضا وهو على بطنه لفترة! وبعد أن جاء اللطف الرباني، أسرع إلى السيارة حافي القدمين في هيأة مضحكة؟؟؟

    وما حال محمد المختار السوسي بأحسن من حاله، فقد انغمس بدوره في النظام العلماني، وأصبح وزيرا للتاج؟ ووزيرا للأوقاف؟ ومات قبل الفاسي كقدوة لمآت العلماء، الذين تحولوا إلى حماة مسمى “الإسلام المغربي”، وإلى تهيئة من ينوبون عنهم في توفير نفس الحماية له. وهذا الإسلام – للتذكير – إسلام القبورية والطرقية والشعوذة، وغض البصر عن المناكر التي أدركت الدعارة وتعاطي الخمور حتى الثمالة عندنا ذروتهما؟؟؟

    وإن نحن أكدنا كون الرجلين المتاحة لهما رسميا فرص التحدث إلى الجماهير، فلكوننا نؤكد بأنهما ممن نالوا رضى النظام المخزني؟ ورضى هذا المخزن لا يناله إلا من يؤدي خدمات تتمثل في امتداحه وتقويته بالمنثور من الكلام والمنظوم؟ فعصيد الفقير في التاريخ والدين والفلسفة، والمتذبذب بينها جميعها  إلى حد الغثيان، استضاف ذات مساء في إحدى برامجه التلفزية أستاذا للتاريخ، لا عالما فيه، ودار الحوار بينهما حول سبعة رجال رجراجة الأمازيغيين الخرافيين، الذين قابلوا رسول الله ص وأسلموا على يديه، وعادوا إلى منطقة الشياظمة لنشر الإسلام؟ والحال أننا أمام بهتان وضلال؟ إذ دور  الأمازيغ السبعة في الدعوة إلى الإسلام قبل قدوم الفاتحين، لا وجود له في أي مؤلف تاريخي؟؟؟ وإلا فلا بد من الحديث عن المقابلة بينهم وبين عقبة بن نافع، الذي هو أحد كبار الفاتحين للشمال الإفريقي. والفاتحون في منطق عصيد محتلون؟؟؟ فكيف يوفق إذن عصيد بين الإسلام الذي حمله الرجال السبعة الأمازيغ إلى المغرب؟ وبين الإسلام الذي تولى الفاتحون الدعوة إليه؟؟؟ رجلان أمازيغيان، واحد يعتبر الفاتحين غزاة (= عصيد)؟ وواحد ملأ جيوب معطفه بخرافات، وهو المدعو: جهادي الحسين؟ فكان أن اتفق الإثنان على نشر خرافة سبعة رجال التي خصصنا لها دراسة شافية في مؤلفنا “التصوف الطرقي بالمغرب الحديث والمعاصر، سوس نموذجا”؟

اترك رد