عن واقع المعتزلة في الماضي وعن واقعهم في الحاضر الماثل؟؟؟ ح4
بقلم: د. محمد وراضي
ما انتهينا إليه فيما تناولناه موجزين بخصوص الأبحاث المعتزلية الكلامية، هو أنهم ركزوا على “الماورائيات” المعبر عنها فلسفيا ب”الميتافيزيقا”، والتي لم يكن كبار المعتزلة من روادها. فقد تقدمهم إلى تناولها متكلمون شرقيون وغربيون قبل ظهور الإسلام بقرون طويلة. فالكلام في صفات الله نفيا وإثباتا من الموضوعات التي شغلت بال بعض المفكرين “من أهل الديانات” المختلفة الغارقة في القدم. فالبيروني يحكي عن الهنود فيقول: “العالم ذاته سرمد، إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم، وليس الجهل بمتجه عليه في وقت ما أو حال”. مما يعني أن العلم قديم بقدم العالم (= الله). وأنه صفة من صفاته… ثم يقول السائل بعد ذلك: “فهل له الصفات غير ما ذكرت؟ ويقول المجيب: له العلو التام في القدرة لا في المكان. فإنه يجل عن المتمكن، وهو الخير المحض التام الذي يشتاقه كل موجود. وهو العلم الخالص عن دنس السهو والجهل”. قال السائل: أفتصله بالكلام أم لا؟ قال المجيب: إذا كان عالما فهو لا محالة متكلم. قال السائل: فإن كان متكلما لأجل علمه، فما الفرق بينه وبين العلماء والحكماء الذين تكلموا من أجل علومهم؟ قال المجيب: الفرق بينهم هو الزمان. فإنهم تعلموا فيه وتكلموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا متكلمين، ونقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم. فكلامهم وإفادتهم في زمان. وإذ ليس للأمور الإلهية بالزمان اتصال، فالله سبحانه عالم متكلم في الأزل. قال السائل: فمن أين له هذا العلم؟ قال المجيب: علمه على حاله في الأزل، وغذ لم يجهل قط، فذاته لم تكتسب علما لم يكن”.
وبين تجاعيد هذه الأسئلة والأجوبة، نجد ترجيح القول بقدوم صفات الله، اي أنها أزلية مثله ومعه. ونخص منها بالذكر كونه عالما قادرا ومتكلما. وأن الفرق بين علمه وعلمنا كبشر هو كون علمه لا زمني ولا مكاني. لكن علمنا نحن لا يخرج عن هذين الإطارين اللذين حددهما الفيلسوف الألماني: إيمانويل كانط بدفة متناهية.
ومقابل القول بصفات الله الأزلية – وهو ما يناسب قناعات أهل السنة والجماعة – نجد رفض وصفه بها سبحانه من طرف المعتزلة؟ وذلك حتى لا يتم القول بسرمديتها، مما يعني أنها مشاركة لله في القدم، ومشاركتها له في القدم معناه، أن له شركاء لا شريكا واحدا فحسب؟؟؟
وقد أورد الشهرستاني آراء فلاسفة اليونان في الذات والصفات. فمن ذلك قول أنبادقليس: “إن الباري تعالى يعلم هويته فقط. فهو العلم المحض. وهو الإرادة المحضىة. وهو الجود، والعزة، والقدرة، والعدل، والخير، والحق، لا أن هناك قوى مسمات بهذه السماء، بل هي هو، وهو هذه كلها”.
بحيث يكون أنبادقبيس اليونلاني قدوة المعتزلة القائلين بنفس فكرته، نقصد نفس الصفات باعتبارها عين ذاته، لا متميزة عنها كما يبدو من ظاهر ىيات قرآنية مختلفة. يعني بعيدا عن تأويلات عقلانية منطقية فلسفية.
ونجد أنفسنا هنا أمام نقد منطقي نوجهه إلى المعتزلة من جهة، وقبلهم إلى من كانوا بالنسبة إليهم أسوة متبوعة من جهة ثانية. ونقدنا نوضحه في الآتي:
1ـ إذا حدد الفلاسفة منذ القدم مفهوم الزمنوب أنه حركة في المكان، فيلزم أن يكون المكان موجودا قبل الزمان المتولد عن الحركة في إطاره. والمكان قبل وجود الكون غير موجود. ومثله الزمان. لكن الباري قبل إيجاده للكون موجود. مما يعني أن وجوده كان خارج المكان والزمان كليهما.
2ـ ليس لنا غير مساندة كانط الذي يرى واقعية حصول المدركات في إطاري الزمان والمكان. فالطفل لمجرد ولادته يكون مزودا بالحواس الخمس. هذه التي تربطه بموجودات العالم على اعتبار أنها محدثة لا على اعتبار أنها قديمة أزلية. فصح أن الطفل يحس ولا يدرك في مرحلته الأولى من النمو، لكنه سوف ينتقل من مجرد الإحساس إلى الإدراك الحسي، ومنه ينتقل إلى الإدراك العقلي المجرد، مما يعني أنه يخضع لمقتضيات عالم الشهادة. أما عالم الغيب (= علم الماورائيات)، فمجال لتفكيره ولتأملاته بشرط التسليم بأن عقله المنطقي صعب عليه اقتحامه.
3ـ ونظرا إلى عجز العقل البشري عن الاقتناع بالمعبود المجرد (= ليس كمثله شيء)، لم يكف عن تجسيد المعبود حتى وهو مؤمن بدين سماوي كاليهودية والنصرانية والإسلام. فكان أن حاول المشبهة تجسيده سبحانه، وحاول خصومهم المغالاة في تجريده. لكن الفريقين لم يصيبا كبد الحقيقة؟ وإلا فأين الموجودا النسبية من الموجود المطلق؟ إذ كيف نتحدث فلسفيا عن صفات موجود لا زماني ولا مكاني، بنفس الكيفية التي نتحدث بها عن كائنات زمانية مكانية؟ مع تسليمنا بأن مداركنا لن تتم إلى داخل الإطارين المذكورين لا خارجهما؟ فكسف ندرك إذن من هو خارجهما على اساس أنه هو موجدي الأمكنة والأزمنة في الآن ذاته؟
4ـ قال إيمانويل كانط: “علينا أن نضحي بالعلم في سبيل الإيمان”. والعلم هنا ليس الدراسات الفزيائية والكميائية، والرياشيات والهندسة، وعلوم الحياة والأرض، إلى ما هنالك من علوم معتمدة في مجال الصناعات التي يصعب اليوم تحديدها في عجالة؟ إذ بع أن لاحظ كانط سرعة انفصال كافة العلوم عن الفلسفة كأم لها – كما يقال – تيقن تمام التيقن بأن كل محاولة للإمساك المنطقي بعلم ما وراء الطبيعة – خاصة ما يتعلق بالله عز وجل – من باب المستحيلات، فصح أن التسليم به وبكل ما يتعلق به من باب الإيمان، لا من باب الباراهين العقلية الكلامية الغارقة في تناقضات لا عد لها ولا حصر.