عن واقع المعتزلة في الماضي وعن واقعهم في حاضرنا الماثل؟ ح.9

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: د. محمد وراضي

على حساب السخرية من ماضينا الثقافي والمعرفي ، يجتهد العلمانيون في رفع قيمة الفكر الغربي في مختلف مجالات الأدب شعره ونثره، وفي مجال السياسة والاجتماع والاقتصاد. فقد حظي عندهم “لامارتين”. و”فيكتور هيجو”. وديكارت. وماركس. وإنجلز بإعجاب واحترام فائقين، أكثر مما حظي عندهم بهما الإمام الشافعي، وأبو حنيفة، والإمام مالك، وسعيد بن المسيب، والإمام سحنون القيرواني؟
وحتى عندما تم التفات المعتزلة الجدد إلى الماضي، رغبة منهم في كسب المشروعية التاريخية، من خلال تراث هذا الماضي على اعتبار أنهم يمثلون امتدادا له، اختاروا كنماذج لإطرائها غاية الإطراء، بعض المتكلمين، وبعض الفلاسفة الذين سايروا الفكر الشرقي والغربي القديمين، في تناول موضوعات ماورائية، وكأنهم حريصون على اصطياد ما ينظرون إليه كفكر طليق حر مستقل من جهة، وكزعامات سياسية جريئة من جهة ثانية، لكنهم – للأسف الشديد – لم يحاولوا الاطلاع على السير الذاتية لتقدميين إسلاميين كبار، نظير سعيد بن المسيب الذي رفض تزويج ابتنه لابن الخليفة الأموي: عبد الملك بن مروان. وكالإمام مالك الذي أفتى بعدم جواز بيعة المكرهين على تقديمها. وكالإمام أبي حنيفة والشافعي اللذين رفضا الانصياع للسلطات القائمة. وكسحنون الذي قال للحاكم الأغلبي التونسي: “ليس هذا الذي بيني وبينك، خذلتني خذلك الله”. لأن سحنون كان بمثابة وزير العدل، إنما بشرطين، فرضهما على الحاكم قبل تسلم سلطته: أولهما: أن يبدأ بمحاكمة عناصر عائلة الحاكم، لكثرة ما اغتصبوه من حقوق المواطنين؟ وثانيهما عدم تدخله في شؤون القضاء؟ مما يعني تطبيق سحنون لما يعرف اليوم بفصل السلطات، لأن هذا الفصل مبدأ من مبادئ الإسلام الحق.
ولما اختار المعتزلة العلمانيون عندنا: يمينيون منهم ويساريون اعتماد الفلسفات الوضعية في مختلف مجالات الحياة، بحيث إن الدين عندهم ولى تفعيله سياسيا بالخصوص إلى غير رجعة – وهو ما لم نسجله كسقطة لدى المعتزلة القدامى – إذ أصبح عندهم الدين جزءا من الماضي من خلال ما كالوه ويكيلنوه له من انتقادات جارحة للموصوف عندهم بالكتب الصفراء، وللمدارس العتيقة وشيوخها، ولمعاهد إسلامية أينما وجدت على طول البلاد وعرضها؟ إضافة إلى ما ينطق به الواقع السياسي لكافة الدول العربية والإسلامية؟ حتى من يدعون بأنهم تقدميون اشتراكيون أو شيوعيون مستفيدون على حد زعمهم من الإسلام، لم يجدوا لترجمة أفكارهم تلك المزعومة، ولو من خلال توظيفهم لمطربين ومطربات للإيحاء – من باب خداع الجماهير – بأنهم يقدرون ما لدينهم من أفضال على سيرهم السياسي الذي تفضح ممارساتهم له عكس ما يدعونه؟ فقول مطربتهم التي كانت سوف تؤدن في تل أبيب “الاشتراكيون أنت إمامهم” تزلف وتودد إلى الشعوب، للبصم عن طواعية واقتناع أو شبه اقتناع على سياسات الحكومات المتفقة كلها على الإقرار بأن الركون إلى الشرع الإسلامي غير ذي جدوى؟؟؟
فصح أن علماء الوقت – إلا من رحم الله منهم – ليسوا سوى أبواق وأدوات تخدير، وتنفيذ لرغبات حكام فاتهم أن الإسلام ليس مجرد عبادة، وإنما هو عمل يغطي مختلف ميادين الحياة، ومن جملتها اختيار الحكام بكل حرية، لا فرضهم فرضا على الشعوب والأمم. وأن الحكام ملزمون بتطبيق مبادئ يتمثل بعضها في الشورى والمساواة والعدل، والقبول بالمحاسبة والمراقبة والمساءلة؟؟؟
فلزم – وهم يلقون بهذه المبادئ في سلة المهملات – أن ننبههم إلى أنهم غارقون بأفاعيلهم النكراء في تشويه الإسلام وتحريفه! بعيدين عن توحيد أممهم ماديا ومعنويا في الآن ذاته. فكان أن انعكست خلافاتهم على أممهم هذه برمتها؟ وكان أن أصبحوا مجرد بيادق في يد أسيادهم من متزعمي الأمبريالية العالمية (= النزعة الاستعمارية والاستغلالية). وكان أن تواجهوا في حروب دامية، وفي تبادل الشتائم، والأحقاد والضغائن، مما يبين أن فكرهم الاعتزالي، لا يصل حتى إلى شسع نعل فكر أسلافهم الذين يمجدونهم، لكونهم تجرؤوا على الله الذي ألغوا صفاته، وذهبوا بعيدا في تناول ذاته العلية، حيث إنهم انجرفوا وراء رذيلة قياس الغائب على الشاهد. هذه الأداة المعرفية التي لا تزال قائمة تفعل فعلها في النفوس. والحال أن الميل إلى تفعيلها قديم قدم البشرية. فالفكر الأمي الشعبي أميل إلى التصديق بصحة نيابة المادي المشخص المقدس عن الفاعل المختار المفارق، الذي لا صلة له بكل ما هو مادي إلا لكونه هو موجد هذا المادي من العدم.
يعني أن الميل إلى تجسيد الألوهية تراث سيء لا ينفك البشر في تاريخه المديد عن الميل إليه. فقصة إبراهيم وموسى وعيسى الواردة في القرآن توضح ذهاب الإنسان بعيدا في تجسيد المعبود، ولو أن دين الرسل الثلاث وديننا نحن، يبين بأدلة قاطعة كيف أن المعبود الحق مفارق خارج الأزمنة والأمكنة، غير أن المنحرفين منا عملوا على مخاطبته في صورة أصنام، أو في بعض مظاهر الطبيعة، أو في شبه أصنام ممن يوصفون بأنهم قادرون على فعل أي شيء، لكونهم يحملون مسمى البركة! هذه التي تم استيراد مدلولها من الهندوس والبوذيين والمانويين، ظلت وستظل غامضة لدى الأغلبية الساحقة من المسلمين، حتى الكثير من علمائهم لا يفقه لها معنى؟ إن لم يطلع على مفهوم المانا المرادفة لها لدى الشعوب الموغلة في الهمجية؟؟؟ بينما البركة التي تعني الوفرة أو الزيادة، لا تستقيم إلا مع قوله ص: “اللهم بارك لأمتي في بكورها”. غير أن البركة التي تنشدها العامة لدى الصالحين المفترضين، أحياء وأمواتا، مجرد مطلوب وهمي لا وجود له في الواقع، إلا أن صاحبه أو أصحابه الذين يتفضلون به على طلاب المطلوب المستحيل ذاك، مبتدعون آثمون لكوننا من خلال تتبعنا لسيرتهم الذاتية وقفنا على ما يؤيد أطروحتنا هذه بأدلة قاطعة.
دون أن ننسى التذكير بكون المعتزلة القدامى مبتدعون من حيث يعتقدون أنهم سنيون؟ إنما أية سنة هم عليها متى انخرطوا في التخمينات المشار إليها في مثل قوله سبحانه: “إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون”. وفي مثل قوله: “يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية”؟ وأسوأ منهم من اتخذوا من ذوي الكرامات المزعومة آلهة أو شبه آلهة؟ وأسوأ من هؤلاء من ذهبوا إلى أن الله تعالى ظالم وجاهل؟؟؟

اترك رد