في أي شيء يفكر قادة العالمين العربي والإسلامي؟ ح 2

بقلم: د. محمد وراضي
حددنا في الحلقة الأولى من هذا المقال، ما على القادة العرب والمسلمين تحقيقه لفائدة شعوبهم المستحقة للتقدير والاحترام. إنه باختصار شديد: “جلب المنافع ودفع المضار”. مع الابتعاد التام عن معاملتهم كدواب؟ حيث الحرص على التصرف فيها تصرف الجزارين ذبحا وسلخا، بحيث تنحصر منافعها في العمل على تسمينها. وهذا العمل في حد ذاته دفع للمضار عنها، خاصة وأن أنواع تلقيحها والعناية بها، من لوازم اعتناء كبار الإقطاعيين بما يتوفر لديهم من بهائم؟
وبما أن الحديث عن توفير المنافع للشعوب، ودفع المضار عنها، يتعلقان هنا بالإنسان، لا بأي حيوان كان، فإن الحاكم مطالب كما قلنا، باحترام المبادئ السبعة التي نعيد تكرارها. يتعلق الأمر بالأخوة، والعدل، والمساواة، والحرية، والكرامة، والاستقامة، والشورى.
فالأخوة مبدأ ديني إنساني يفيد كون المسلمين إخوة، وكون البشر جميعهم إخوة. بينما يفيد العدل، تجنب الظلم والاعتداء، وكافة أنواع الشطط والجهالة والزيغان. كما تعتمد المساواة على استحضار الأخوة في الدين، فما يجري على الأثرياء يجب أن يجري على الفقراء المعوزين. في حين تقتضي الحرية، تجنب أي لون من ألوان العبودية، هذه التي تمنع المواطنين من إبداء آرائهم، التي فيها نفع عام صريح واضح لكافة أفراد الأمة، ولحكامها قبل أي كان من هؤلاء الأفراد، ذكرا كان أو أنثى.
أما الحديث عن الكرامة، فيدور أولا حول احترام المرء في ذاته، والابتعاد عن أي خدش في شخصه، مع اقتناع تام بأن كرامة الإنسان، مبدأ ديني وأخلاقي “يقرر أن الإنسان ينبغي أن يعامل على أنه غاية في ذاته لا وسيلة. وكرامته من حيث هو إنسان فوق كل اعتبار”.
أما الاستقامة فمبدأ أخلاقي يقويه التسليم بأن الإنسان مسؤول عن أفعاله. نظرنا إلى الأمر من منطلق الدين الحق، أو نظرنا إليه من منطلق المعاملات الوضعية كالعادة، أو كتقليد يرثه الأبناء عن الآباء، والآباء يرثونه عن الأجداد. إنها تتجلى في الوعود والعهود والالتزامات، والسعي إلى توفير الرخاء وكافة الحاجيات، وفي مقدمتها الأمن الغدائي والأمن الروحي والاستقرار، خاصة وأن غياب الاستقامة، معناه الإلقاء بالفضائل في مزبلة التاريخ؟ بحيث تحل محلها الرذائل التي هي نقيظ كل المبادئ السبعة التي حاولنا تقديم ما أمكن من الوضوح عنها وبخصوصها، والتي رأينا ختمها بمبدأ الشورى.
هذا المبدأ الذي مجده الإسلام، ودعا إليه كتابا وسنة، ومارسه نبيه وأصحابه. إنه المبدأ المتكامل مع المقدمة التي أوضحنا ما أمكن مدلولات ما ورد فيها، وهدفنا هنا هو الإقرار بأن الشورى أساس اختيار الحاكم أولا، وأساس صلاح الحاكم ثانيا، وأساس استثمار صلاح الحاكم ثالثا. ومتى توفرت هذه الأسس، توقعت الأمة العيش الكريم، والاستقرار المؤكد، والسعادة القصوى، ما دام تبادل الاستشارات ساري المفعول في أية أمة، وكأنها آخذة بناصيتها، على اعتبار أن الشورى من صميم الدين، قبل ظهور الديمقراطية في صورتها الحديثة. هذه التى تناولناها في مقال خاص… والتي وقفنا عند بعض عيوبها، وآخرها ما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية بعد سقوط ترامب في الانتخابات الرئاسية أمام منافسه الديمقراطي جون بيدن. مما يعني أن المسألة كما ذكرنا قبل الآن، لا تتعلق برئيس، ولا بملك، ولا بأمير. وإنما تتعلق بأي حاكم يحترم المبادئ التي قدمناها. وهي مبادئ لم يتم لنا نحن المسلمون استيرادها، وإنما هي من صميم ديننا الأغر. هذا الدين الذي يجمع في نسق تام بين الدنيوي والأخروي. على عكس ما يدعيه العلماجيون من كون الدولة القائمة على ما تنتجه العقول من أفكار وأنظمة، كفيلا بجلب المنافع ودفع المضار؟ لكن هذا الزعم في العالمين العربي والإسلامي، زعم زائف مخيب لآمال الشعوب! فلا الشيوعية ولا الاشتراكية، ولا الليبرالية التي تبناها أكثر من نظام، حققت الأمن والاستقرار، والاعتصام بأي حبل شئنا غير حبل الله المتين.
وإلقاء نظرة واحدة على الأوضاع العربية والإسلامية، تعطينا حقيقة الواقع التنافري بين قادة العرب والمسليمن. يكفينا أن الخيانة سادت هؤلاء القادة، كما سادها العداء المتبادل، ليصب كل واقعها فيما بينها وبين الاستكبار الدولي في خانة الإساءة إلى شعوبها بكل تأكيد. وإن نحن استثنينا من التخلي عن المبادئ السبعة المتقدمة، قائد بلد ما، فإننا نستثني قائد الشعب التركي، وقائد الشعب القطري، هذا الأخير الذي قابلناه وجلنا في عاصمة بلده كضيوف مكرمين معززين، أما الثاني فلم نزر بلده ولا قابلناه، غير أن ما هو عليه من تصد سافر للاستكبار الدولي ينوب عن زيارة بلده وعن مقابلته شخصيا كما قابلنا تميم المجد الذي دعونا له مباشرة بالتوفيق والسداد!!