في الحاجة إلى التمييز بين الشخصية والنفس
بقلم: فؤاد هراجة
في أدبيات التربية والسلوك يخلط كثير من الناس بين ”النفس“ و”الشخصية“، فينعكس هذا الخلط على ممارستهم وتعاملهم مع ذواتهم، بحيث يؤدي عدم الفصل بينهما إلى هدم الشخصية أثناء عملية مجاهدة النفس وتزكيتها. فمن المعلوم بالضرورة في مجال الترقي أن أول ما يقوم به السالك في سيره إلى الله مخالفته رغبات نفسه وعدم مطاوعتها والحرص على كبح نزوعاتها بغرض تَخْلِيَتِها من كل النواقص ثم تَحلِيَتِها بكل الكمالات، وهذا يتطلب من السالك تقريعا متواصلا للنفس واستصغارا لها ولجما صارما لميولاتها. غير أن المرء أثناء هذه العملية التي تسمى ”مجاهدة“ قد يدوس على شخصيته بدعوى تزكية نفسه، فيهدمها أو على أقل تقدير يهمل بناءها، حتى إذا طال عليه الأمد في هذا الوضع، وجد ذاته غارقة في دائرة الدروشة والانعزالية، لأن شخصيته قد انمحت إبان عملية المجاهدة، وأصبحت هويته مجهولة عنده قبل غيره. وأمام فقدان الفرد لشخصيته يصبح معرضا وقابلا لأي ابتذال أو احتقار أو استيلاب من الغير تحت ذريعة قهر النفس وإذلالها، وهو لعمري سير في الاتجاه الخاطئ الذي ترومه أي تربية سوية؛ إذ الغرض الأول والأخير من التربية، بناء شخصية من طراز ما ذات هوية تميزها عن باقي الشخصيات. إذن، ثمة خيط رفيع بين ضرورة مجاهدة النفس حتى تبلغ مقام الطمأنينة فتسكن من هيجانها الشهواتي، وأهمية الحرص على بناء الشخصية والحصول على هوية متميزة ومنفردة، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عما هو الفرق بين النفس والشخصية؟ ولماذا يتوجب الفصل بينهما؟
يقصد بالنفس في مجال التربية ذلك الكيان الغريزي الذي خلقه الله سبحانه في الإنسان والذي يتصف بالقابلية لتشرب كل الخصال، وقد فُطِرَ على هذا النحو كي يدفع يصاحبه إلى التفاعل مع العوامل الخارجية، فيسعى إلى كسب قوته، وإلى الزواج والتكاثر، وإلى حفظ بقائه… . غير أن هذه النوازع الغريزية النفسية قد تتطرف إما إفراطا أو تفريطا مما يجعل مجاهدة النفس وتزكيتها من أجل توازنها أمر غاية في الضرورة. ولأن فعل المجاهدة يتم عبر التهذيب والتشذيب والحد من النزوعات الغضبية والشهواتية، فإننا نجد أنفسنا أمام منهج خاص بالنفس مخالف تماما لما يصلح في بناء الشخصية.
ذلك، أن الشخصية تنظيم معقد من المعارف والوجدانات والسلوكيات، التي تعطي لحياة الشخص توجها ونمطا معينا؛ وهي تتكون من بناءات وعمليات، تعكس كلا من الطبع والتطبع في كيان المرء، كما تشمل آثارا وذكريات للماضي وبناءات للحاضر والمستقبل؛ فالشخصية مجموع الخصائص الذاتية المميزة لهوية الفرد، باعتبارها نظام متكامل من مجموع الخصائص الجسمية والوجدانية والإدراكية التي تُحدد هوية الفرد وتميزه عن غيره من الأفراد تمييزا بَيِّناً. وعليه، فإن معرفتنا لشخصية كل فرد تمكننا من التنبؤ بما سيفعله عندما يوضع في موقف معين، لما سبق لدينا من معطيات تطبع هويته.
بالتالي وجب التنبيه إلى البون الشايع الذي يفصل بين عملية الزجر وعملية البناء، فالأولى تخص النفس، والثانية تهم الشخصية، وعلى المُرَبِّي والمُرَبَّى أن يدركا هذا الفارق حتى لا ينتهيا من مجاهدة النفس وقد اغتالا في كيان الإنسان شخصيته التي تحمل هويته والتي سينطلق من أرضيتها للتفاعل الإيجابي مع عالمه الخارجي الاجتماعي بالاندماج، والسياسي بإرادة مدافعة الفساد، والاقتصادي بالانتاج والقصد في الاستهلاك. إن الرسول صلى الله عليه وسلم سيد من جاهد نفسه كانت له شخصية فريدة، ولم يمنعه تواضعه من إبراز شخصيته، وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يشبه بعضهم البعض فلكل هويته المميزة له، فهذا كان أفقه الناس، وذاك كان أحكمهم، وآخر كان أزهدهم…، ولم يكونوا قالبا بشريا واحدا تتكرر شخصياته، بل كان كل واحد منهم طريقة ونموذجا في الحياة، وهو ما يدعونا اليوم إلى الانتباه واليقظة أثناء التربية فنجمع بين مجاهدة النفس وبناء الشخصية، سيما وأن هذه الشخصية هي الكفيلة بترجمة التربية إلى مواقف متزنة على كل المستويات وفي كل الأبعاد.