قذائف سياسية تغتال تشريع دعم الصحافة

بالواضح

بين الصورة البارزة والعنوان

بالواضح

يبدو أن مجال الإعلام أصبح أرضية خصبة لتصريف المواقف ولبناء آليات الضغط كما يتصورها الفاعل الحزبي والذي في نفس الآن يغفل قوة الواقع في التعاطي مع هذا الإعلام كمنتوج متعدد الاستهلاك، بتعدد زبنائه الموزعين عبر الشرائح الاجتماعية بتنوعها الثقافي والايديولوجي والبيئي والمجالي.

إن اعتماد مقاربة وضع السياسات من المكاتب المكيّفة أرخى بظلاله بشكل واضح على موضوع الدعم العمومي للصحافة حتى ان المتتبع ينظر إلى الأمر من الزاوية القبَلية التقليدية التي يغيب عنها المنطق العقلاني وتحلّ محلّه اعتبارات ذوي القربى والعاملين عليها.

لقد أصبح الدعم العمومي للصحافة مجالا لتحديد الموالاة من عدمها كما هو مبيّن في توزيع الدعم وشروطه التي تمّ نسجها على المقاس، في غياب تام لاستحضار التعددية المقاولاتية والفئوية لصناع الإعلام، حيث صار الدعم عملة جديدة لشراء المواقع خاصة أن صيغته الجديدة تأتي على بعد سنة ونصف من الاستحقاقات الانتخابية الجماعية والتشريعية، وقد يكون الأمر إذا ما صحّت هذه الفرضية متعلقا بواحدة من الآليات القوية لصناعة الرأي العام نحو اتجاه معين، الشيء الذي يخرج الصحافة من سياقها الطبيعي، ألا وهو الحياد، إلى محاباة جهة على حساب جهة أخرى.

لقد كان لزاما على صانع القرار السياسي أن يحفظ حقوق الصغار قبل الكبار، باعتبار أن المقاولة الصغيرة أكثر انتشارا وأكثر التصاقا بإعلام القرب، وهنا نستحضر ما تبذله الصحافة الجهوية من جهد جهيد في تسليط الضوء على القضايا المحلية خاصة تلك التي تنشط في المدن الحدودية والتي بفضلها يصبح الخبر ذو طبيعة وطنية ودولية انطلاقا من تغطية محلية، وهذا السياق يجب أخذه بعين الاعتبار بالنظر لأهميته على مختلف الأصعدة، ومن بينها تجمُّع الصحافة الكبرى في المدن ذات طابع مركزي كالرباط والدار البيضاء فيما الصحافة الجهوية إلى جانب المراسلين هي من تتكلف بالهامش.

إننا اليوم في مرحلة مفصلية أكثر من أي وقت آخر مدعوون لتقنين الدعم العمومي للصحافة تأسيسا على فلسفة جديدة قوامها الإنتاجية الإعلامية وقوة التأثير في المجتمع في إطار عدالة إعلامية إجتماعيا ومجاليا تماشيا مع المبدإ الدستوري الداعي إلى الحق في المعلومة. هذا المبدأ الذي لا يمكن بلوغه إلا بانتشار واسع للإعلام يلامس كافة القضايا عبر ربوع المملكة دون تمييز، لأن وظيفة الصحافة تكمن في إيصال الخبر وتبليغ المعلومة كحق من الحقوق المضمونة دستوريا، وهذا لن يتأتى إلا بعدالة الدعم المقدم للجميع.

هناك العديد من القضايا المرتبطة ارتباطا وثيقا بالدعم العمومي وقضايا المجتمع لا يمكن طرحها الآن أمام غياب رؤية واضحة يتقاطع فيها الجانب الحقوقي والنقابي والمهني، إذ أن ما يلف المشهد من ضبابية التي قد يتم التراجع عن بعض بنود الدعم والتي يعتبرها الكثيرون غير كافية، تضعنا أمام إشكالات جوهرية في التعاطي مع الدعم وفلسفته ومقاصده امام غياب الدمقرطة الحقّة لدعم اغتالته قذائف السياسة.

اترك رد