قراءة فقهية وأخلاقية في جدل العمل الحقوقي الإسلامي

بقلم: عبدالفتاح الحيداوي

1. مقدمة

تتناول هذه الدراسة بالتحليل إشكالية محورية في الفكر والممارسة الحقوقية الإسلامية المعاصرة، وهي التناقض بين التمسك بالشكل والمبدأ الرمزي، وبين تحقيق النتيجة العملية المتمثلة في إنقاذ الإنسان .تنطلق الدراسة من حادثة تاريخية ذات دلالة عميقة ليسقطها على واقع المنظمات الحقوقية الإسلامية التي تدافع عن المعتقلين، منتقدا الجمود الخطابي الذي يفضل نقاء المبدأ على تحرير الإنسان.

تتمحور الفكرة الأساسية للدراسة حول أن فقه المآلات(النظر إلى النتائج والعواقب) يجب أن يتقدم على فقه الشعارات وأن الكرامة الحقيقية تكمن في إنهاء معاناة المظلومين، حتى لو تطلب ذلك تنازلات شكلية أو تفاوضًا مع الخصم. الفرضية المركزية للدراسة هي أن القصة التاريخية لتقبيل رأس الكافر مقابل إطلاق سراح الأسرى، والتي أقرها السلف والفقه، تعد حجة أخلاقية وفقهية قوية تدين التيارات التي تؤدي إلى إدامة معاناة المعتقلين باسم “الصلابة المبدئية” أو “الخطاب الراديكالي”.

2. الإطار الفقهي والأخلاقي للقصة التاريخية ونماذج أخرى

نستند في هذه الدراسة إلى قصة الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي ، الذي وقع أسيرا في يد ملك الروم عرض عليه الملك إطلاق سراحه مقابل تقبيل رأسه، فرفض عبد الله في البداية، لكنه وافق في النهاية على تقبيل رأس الملك مقابل إطلاق سراح جميع الأسرى المسلمين معه. وعندما عاد إلى المدينة، قبّل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأسه وقال: “حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأبدأ أنا بذلك” .

أ نماذج تاريخية داعمة: ابن تيمية وصلح الحديبية

هذا المنهج العملي لا يقتصر على حادثة واحدة، بل هو أصل في السياسة الشرعية التي تقدم المصلحة العليا على الاعتبارات الشكلية:

موقف شيخ الإسلام ابن تيمية مع التتار: عندما غزا التتار دمشق، ذهب ابن تيمية للتفاوض مع السلطان قازان لفك أسرى المسلمين. لم يكتفِ ابن تيمية بفك أسرى المسلمين، بل أصر على فك أسرى أهل الذمة(اليهود والنصارى) أيضا، قائلا: “بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفتكهم، ولا ندع أسيرا، لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة” . هذا الموقف يرسخ مبدأ الحوار مع الخصم لتحقيق مصلحة حقوقية وإنسانية شاملة، حتى لو كان هذا الخصم غازيا.

صلح الحديبية: يعد هذا الصلح نموذجا فقهيا وسياسيا بامتياز، حيث قبل النبي صلى الله عليه وسلم شروطًا بدت في ظاهرها مجحفة (مثل رد من جاء مسلما من قريش) مقابل مصلحة استراتيجية كبرى، وهي فتح باب الدعوة والاعتراف بالدولة الإسلامية، مؤكدا أن التنازل في “الشكل” جائز لتحقيق مكاسب “جوهرية” .

ب القواعد الفقهية المستخلصة

تشكل دراسة هذه الحوادث التاريخية التي أقرها الخلفاء الراشدون مصدرا مهما لاستنباط المنهج الفقهي في التعامل مع القضايا المستجدة، خاصة في مجال السياسة الشرعية التي تتسم بالمرونة والاتساع . تبرز ثلاث قواعد فقهية مركزية:

1.قاعدة تقديم حفظ النفس على الاعتبارات الشكلية: تعد قاعدة “حفظ النفس” أحد المقاصد الضرورية الخمسة للشريعة. في حادثة تقبيل الرأس، كان الموقف يقتضي المفاضلة بين الكرامة الرمزية (الامتناع عن فعل يعتبر ظاهريا إهانة) وبين الكرامة الحقيقية (إنقاذ أرواح وأجساد المسلمين من القيد والإهانة المستمرة). إن المنهج الفقهي المستنبط من الواقعة يقر بأن الكرامة الجوهرية تكمن في تحقيق المقصد الأسمى، وهو تحرير المظلومين.

2.قاعدة تقييم التعامل مع الخصم بميزان المصلحة والمفسدة: العلاقة مع “الخصم” أو “غير المسلم” في الفقه السياسي ليست علاقة عداء مطلق، بل هي محكومة بضابط الموازنة بين المصالح والمفاسد. فالفعلذاته (التفاوض أو التعامل أو حتى التنازل الرمزي) ليس محرما بل يقيم بمدى ما يحققه من مصلحة عامة راجحة، كإطلاق سراح الأسرى، أو ما يدفعه من مفسدة كبرى، كإدامة الأسر والتعذيب. هذا الميزان يحرر الفقه السياسي من الجمود المطلق ويجعله قادرا على استيعاب التحولات والتعامل بمرونة مع الواقع .

3.قاعدة اتساع مساحة الاجتهاد والمساومة في السياسة الشرعية: تُكمل هذه القاعدة الإطار البراغماتي، حيث تتسم السياسة الشرعية بالاتساع والمرونة لأنها تتعلق بتدبير شؤون الناس المتغيرة. هذه المساحة الواسعة تفتح الباب أمام “تقديم الممكن بدل انتظار المثال المتخيل” . فالمنهج البراغماتي يبيح المساومة والتفاوض والحلول الوسط، ما دامت النتيجة النهائية تُحقق مصلحة شرعية كبرى.

3. المفارقة المعاصرة: من إنقاذ الإنسان إلى تقديس الخطاب

تُعد قضية المعتقلين السياسيين في العالم الإسلامي من أكثر الملفات إلحاحا وتعقيدا. وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة في أداء بعض المنظمات الحقوقية الإسلامية المعاصرة التي تتبنى الدفاع عن هؤلاء المعتقلين، لكنها ترفض في الوقت ذاته أي قنوات تفاوض أو حلول وسط مع الدولة، معتبرة ذلك نوعًا من “التطبيع مع الظلم” باسم “النقاء المبدئي”.

ا المبدئية حين تتحول إلى عائق

إن الاكتفاء بالبيانات التعبوية والتهويل اللفظي لا يخدم القضية الإنسانية للمعتقل بقدر ما يخدم الصورة الذهنية للمنظمة الحقوقية. عندما تتحول “المبدئية” إلى عائق أمام تحرير الإنسان، وتفقد جوهرها الأخلاقي، فإنها تتحول إلى مشاركة غير مباشرة في إدامة المأساة. تكمن الخطورة في أن المنظمة، برفضها لأي مسار واقعي، تُصبح شريكًا سلبيًا في استمرار معاناة المعتقل، مفضلة الحفاظ على صورتها الطاهرة على تحقيق الهدف الإنساني الأسمى .

إن قضية الأسرى وتحريرهم تمثل اختبارا عميقا للنضج الفقهي والأخلاقي لأي كيان. ففي حين وضع عبد الله بن حذافة مصلحة الأسرى وحياتهم فوق كل اعتبار شكلي، يبرز في المقابل نموذج المنظمات المعاصرة التي تتداخل فيها الغاية المعلنة (تحرير الأسرى) مع غاية مضمرة (الحفاظ على النقاء الأيديولوجي والصلابة). هذا التداخل يؤدي إلى تبني وسيلة تقوم على الرفض المطلق لأي تفاوض أو قنوات اتصال مع الدولة الخصم، خشية المساس بـ “المبدأ” أو الوقوع في “التنازل”.

4. تحليل الخلل: حقوق الإنسان أم حقوق الخطاب؟

الخلل في العمل الحقوقي الإسلامي المعاصر لا يمكن فهمه باعتباره قصورا تنظيميا أو ضعفا في الإمكانات فقط، بل هو خلل عميق في تصور الغاية ووظيفة الفعل الحقوقي ذاته. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل الغاية الحقيقية لهذا العمل هي إنقاذ الإنسان ورفع المعاناة عنه، أم الحفاظ على خطاب راديكالي يمنح أصحابه شعورا بالتمايز الأخلاقي والراحة النفسية ولو على حساب بقاء الظلم قائما؟ حيننعيد تفكيك الممارسة الحقوقية السائدة لدى بعض التيارات الإسلامية، نكتشف أن الإشكال لا يكمن في النوايا، بل في تحول الوسيلة إلى غاية، وتحول الخطاب إلى بديل عن الإنجاز.

لقد انزلقت بعض المنظمات والهيئات الحقوقية الإسلامية من موقع الوسيط العملي لإنهاء المعاناة إلى موقع الحارس الصارم للخط الأحمر الخطابي حيث أصبح الهم الأكبر هو عدم كسر صورة الصلابة، وعدم الظهور بمظهر المتنازل أو المتفاعل مع الواقع السياسي والقانوني القائم. في هذا السياق، لم يعد السجن مأساة إنسانية تستوجب البحث عن مخارج واقعية، بل تحول إلى رمز للصمود، وصارت المعاناة جزءا من السردية الأخلاقية التي تستثمر لتأكيد نقاء الموقف لا لرفع الظلم. وهنا بالضبط يفقد العمل الحقوقي جوهره، ويتحول من فعل تغييري إلى فعل رمزي يعيد إنتاج الجمود.

التيار المبدئي التقليدي، في تصوره للكرامة، يتعامل معها كقيمة مجردة تحفظ بالامتناع عن أي تنازل شكلي، حتى وإن كان هذا التنازل لا يمس الجوهر الأخلاقي ولا المبدأ الشرعي. الكرامة هنا تفهم بوصفها صورة خارجية للموقف، لا بوصفها حماية فعلية لحقوق الإنسان ووجوده وحريته. أما الشجاعة، فتُختزل في رفع السقف الخطابي ورفض أي حلول وسط، وكأن البطولة الأخلاقية لا تتحقق إلا بالمواجهة اللفظية الدائمة، ولو كانت نتائجها صفرية على مستوى الواقع. وبناء على هذا التصور، يصبح التقييم الأخلاقي لأي فعل مرهونا بمقدار القطيعة مع الخصم، لا بمقدار ما يحققه من رفع للظلم أو تخفيف للمعاناة.

في المقابل، يقدم المنهج المآلاتي العملي تصورا مختلفا جذريا، لا يتنازل عن القيم، لكنه يعيد ترتيبها داخل ميزان الفقه المقاصدي والعملي. فالكرامة في هذا المنظور ليست شعارا يرفع، بل نتيجة تحصل، والشجاعة ليست في الصراخ بل في تحمل كلفة القرار الصعب حين يكون فيه مصلحة راجحة للمظلوم. التفاوض، في هذا الإطار، لاينظر إليه كخيانة أو سقوط أخلاقي، بل كأداة من أدوات الفعل، تخضع للتقدير والموازنة، وتقبل أو ترفض بناء على مآلاتها لا على رمزيتها.

قصة الصحابي الذي قبّل رأس ملكٍ كافر من أجل تحرير إخوانه الأسرى تجسد هذا الفهم العملي بأوضح صورة. فالصحابي لم يكن يجهل معنى الإذلال الشكلي، ولم يكن غافلا عن دلالاته الرمزية، لكنه أدرك بوعي فقهي عميق أن هذا الإذلال العابر لا يقارن بالمآل الأعظم، وهو إنقاذ أرواح المسلمين من الأسر والمعاناة. لقد قدّم الفعل الناجع على الصورة، والنتيجة الواقعية على الموقف الاستعراضي، ولم ير في ذلك أي خدش لكرامته أو لمبدئه، بل عده عين الفقه وعين الشجاعة.

أما المفارقة المؤلمة اليوم، فهي أن بعض المعاصرين يرون في مجرد الجلوس إلى طاولة التفاوض انحرافا وفي أي تواصل مع الدولة أو المؤسسات خيانة للمبدأ حتى وإن كان الهدف هو إخراج معتقل من زنزانته أو تخفيف حكم أو إنهاء معاناة أسرة. هذا الموقف، عند التأمل العميق، لا يمثل تشددا أخلاقيا، بل انحرافا عن الفقه العملي الذي مارسه السلف، حيث تقدس الوسيلة الخطابية وتهملالغاية الإنسانية. فالأخلاق هنا لم تعد في إنقاذ الإنسان، بل في الحفاظ على نقاء الخطاب، ولو بقي الإنسان في سجنه.

إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط فشله في تحقيق النتائج، بل قدرته على إعادة إنتاج ذاته عبر تبرير العجز أخلاقيا. فحين تتحول الهزيمة العملية إلى ثبات مبدئي والفشل إلى سلامة موقف يصبح النقد الداخلي خيانة، والمراجعة ضعفا، ويغلق باب التطوير باسم الوفاء للثوابت. وهكذا يستمر العمل الحقوقي في الدوران داخل حلقة رمزية مغلقة، يراكم البيانات والخطابات، بينما الواقع لا يتغير، والسجون لا تُفتح.

إن إعادة الاعتبار للعمل الحقوقي الإسلامي تقتضي كسر هذا الجمود، والعودة إلى سؤال الغاية قبل الوسيلة، والمآل قبل الشعار، والإنسان قبل الخطاب. فالعمل الحقوقي، في جوهره، ليس اختبارا لنقاء الموقف، بل مسؤولية أخلاقية تجاه معاناة حقيقية. وكل خطاب لا يفضي إلى تخفيف الظلم، ولو جزئيا، هو خطاب بحاجة إلى مراجعة، مهما بدا صلبا أو ثوريا. فالأخلاق التي لا تنقذ إنسانا، تتحول مع الزمن إلى عبء أخلاقي، لا إلى فضيلة.

5. قيمة الحوار الذكي في فك الأسر: نحو منظمة حقوقية فاعلة

إن الجدل الذي تطرحه الدراسة حول فقه المآلات وتقديم إنقاذ الإنسان على نقاء الخطاب يجد أعمق تطبيقاته في قضية المعتقلين السياسيين الإسلاميين المعاصرة.

الحوار كضرورة فقهية وسياسية

في سياق الأسر السياسي، لا يمكن فصل العمل الحقوقي عن السياسة الشرعية التي تقوم على الموازنة بين المصالح والمفاسد . إن التهم الموجهة للمعتقلين السياسيين، خاصة ذوي الخلفية الإسلامية، غالبا ما تكون تهما فضفاضة ومرتبطة بـ “أمن الدولة” أو “الإرهاب”، وهي تهم تستوجب بطبيعتها حلا سياسيا تفاوضيا أكثر من كونها مسألة جنائية بحتة.

تظهر التجارب الدولية أن الحوار هو الأداة الأكثر فاعلية في التعامل مع ملفات الأسر السياسي المعقدة. فالدول المستقرة، وحتى تلك التي تعتمد على القمع، تدرك أن الحوار مع المعارضين أو ممثليهم هو جزء من إدارة الأزمة السياسية، وليس بالضرورة اعترافا بشرعية مطالبهم. إن رفض الحوار المطلق، تحت ذريعة “عدم شرعنة الظلم”، يتحول عمليا إلى إدامة لمعاناة المعتقل، وهو ما يتناقض مع المقصد الأسمى للشريعة وهو حفظ النفس .

المنظمة الحقوقية الفاعلة: من البيان إلى الفعل

. تفرض التحولات الراهنة في بنية الدولة والمجتمع، وفي طبيعة الصراع الحقوقي ذاته، مراجعة جذرية لأداء المنظمات الحقوقية ذات المرجعية الإسلامية، ليس من زاوية النيات ولا من منطلق الطهورية الخطابية، بل من زاوية الجدوى والنتائج. فالحقوق، في جوهرها، ليست شعارات ترفع ولا بيانات تتلى، بل معاناة بشرية ملموسة تنتظر التفريج، وأجساد خلف القضبان لا يعنيها نقاء الخطاب بقدر ما يعنيها الخروج من دائرة العذاب. من هنا يبرز الإشكال المركزي: هل وظيفة المنظمة الحقوقية هي الحفاظ على صورة رمزية صلبة، أم إنقاذ الإنسان من وضعه القاسي مهما كانت كلفة ذلك على مستوى الشكل والخطاب؟

لقد أفرز النموذج التقليدي للعمل الحقوقي الإسلامي نمطا صداميا يقوم على منطق القطيعة الكاملة مع الدولة، ورفض أي تواصل أو تفاوض بدعوى الحفاظ على “الثبات المبدئي”. هذا النموذج، رغم ما يحمله من شحنة أخلاقية عالية، انتهى عملياً إلى تحويل العمل الحقوقي إلى طقس احتجاجي رمزي، يراكم البيانات ويصعد اللغة، لكنه يعجز عن إنتاج اختراق حقيقي في ملفات الاعتقال والمعاناة الإنسانية. الأسير في هذا السياق يصبح وسيلة لتأكيد الموقف، لا غاية لإنهاء الظلم عنه، وتتحول القضية الحقوقية إلى أداة لتغذية الهوية الأيديولوجية للمنظمة بدل أن تكون جسرا لتخفيف الألم.

في المقابل، يطرح مفهوم الحقوقية الفاعلة تصورا مغايراينطلق من فقه المآلات لا من فقه الشعارات، ويقيس النجاح بميزان النتائج لا بحدة الخطاب. الحقوقيةالفاعلة لا ترى في الحوار خيانة، ولا في التفاوض تنازلا مبدئيا، بل تعتبرهما أدوات مشروعة لتحقيق مقصد أعلى هو فك الأسر ورفع المعاناة. وهي تدرك أن الدولة، مهما كان النقد الموجه إليها، تظل فاعلا مركزيا لا يمكن تجاوزه بالبيانات وحدها، وأن اختراق الجدار الصلب يتطلب قنوات تواصل متعددة، بعضها علني وبعضها هادئ، بعيد عن الاستعراض الإعلامي.

هذا التحول لا يعني التخلي عن المبادئ ولا تبرير الظلم، بل يعني إعادة ترتيب الأولويات: الإنسان قبل الخطاب، والنتيجة قبل الصورة. فالمنظمة الحقوقية الذكية تنفتح على المجتمع المدني الواسع، وتبني تحالفات مع حقوقيين غير إسلاميين، ومع شخصيات عامة ومنظمات دولية، لتوسيع دائرة الضغط الإيجابي، وتحويل الملف من قضية فئوية إلى قضية إنسانية عامة. وبهذا تنتقل من موقع الفاعل المعزول أخلاقيا إلى موقع الوسيط المؤثر سياسيا وحقوقيا.

هذا المنهج ليس بدعا في التراث الإسلامي، بل له جذور راسخة في الممارسة الفقهية والسياسية لعلماء كبار. فابن تيمية، في تعامله مع التتار، لم يقف عند حدود الشعارات ولا عند منطق المفاصلة الصلبة، بل دخل في حوار مباشر مع خصم غاشم من أجل تحقيق مصلحة إنسانية عاجلة، ولم يكتف بالمطالبة بفك أسرى المسلمين، بل أصر على تحرير أسرى أهل الذمة أيضا، إدراكا منه أن العدل لا يتجزأ، وأن القوة الأخلاقية للدعوة تتجلى في اتساع إنسانيتها لا في انغلاقها. لقد مارس ابن تيمية حقوقية عملية قبل أن تصاغ المفاهيم الحديثة، واضعاالمآل الإنساني فوق الاعتبارات الشكلية.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل الحقوقي الإسلامي اليوم ليس القمع الخارجي فقط، بل الجمود الداخلي الذي يحول الصلابة إلى غاية، والقطيعة إلى فضيلة، والمعاناة إلى وقود رمزي. فالحقوقية التي لا تنتج أثراملموسا تفقد معناها مهما علت نبرتها الأخلاقية. ومن ثم، فإن الانتقال من “منظمة بيان” إلى “منظمة فاعلة” ليس خيارا تكتيكيا عابرا، بل ضرورة أخلاقية وفقهية، تفرضها مسؤولية تخفيف الألم عن الإنسان، لا حماية راحة الضمير الخطابي.

6. خاتمة

إن التحول من الدفاع عن الصورة الذاتية أو التنظيم إلى الدفاع عن الإنسان هو أخطر أشكال الانحراف غير المعلن في العمل الحقوقي.

إن استدعاء واقعة الصحابي الجليل الذي قبل رأس كافر من أجل تخليص إخوانه من الأسر، ليس المراد بهالاستدلال العاطفي، بل هو إعادة لضبط ميزان الفهم: هل كانت الكرامة آنذاك في الحفاظ على المسافة الرمزية مع العدو، أم في إنقاذ الأرواح؟ وهل كانت الشجاعة في الامتناع عن التفاوض، أم في اتخاذ قرار عملي قد يساء فهمه ظاهريا ولكنه يحقق مقصدا أعلى؟

إن رفض التفاوض بوصفه “تنازلا” يفترض ضمنيا أن الاستمرار في المعاناة أقل كلفة أخلاقية من السعي لحل ناقص، وهو افتراض لا يسنده فقه المقاصد ولا فقه المآلات ولا التجربة التاريخية. إن هذا الرفض ينتج، بلا شك، عن “الطهارة السياسية” التي تحافظ على نقاء الخطاب مقابل التضحية الصامتة بالإنسان.

وعليه، فإن إعادة بناء العمل الحقوقي الإسلامي تقتضي ثلاثة تحولات حاسمة:

1.إعادة تعريف الكرامة: بوصفها القدرة على حماية الإنسان، لا مجرد الحفاظ على صورة أخلاقية متعالية.

2.اعتماد فقه المآلات: كمنهج حاكم، لا كزينة خطابية تستدعى بعد فوات الأوان.

3.شرعنة التفاوض والوساطة: كأدوات أخلاقية مشروعة حين تكون مآلاتها رفع الظلم وفك الأسر، وليست خيانة للمبادئ.

إن العمل الذي يخشى الاتهام أكثر مما يخشى بقاء المظلوم في محنته هو عمل فقد بوصلته. أما العمل الذي يمتلك شجاعة الدخول إلى المناطق الرمادية لإنهاء العذاب – وإن تعرض للتشويه – فهو أقرب إلى روح الإسلام ومقاصده.

اترك رد