
مر أسبوع كامل على نشر وثائق تثبت بالملموس تورط عبداللطيف ميراوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، في فضيحة أخلاقية وسياسية خطيرة، قل نظيرها في التاريخ السياسي المغربي المعاصر، تتعلق بتضارب المصالح وتلقي أموال خارجية والتخابر لصالح دولة أجنبية، دون أن يخرج المعني بالأمر ليقدم توضيحات شافية بحكم أن الموضوع أصبح قضية رأي عام وأن الاتهامات لا تتعلق بسين من الناس، بل بوزير في حكومة صاحب الجلالة مع كل ما يترتب على من يحظى بهذا التشريف من تمثل لقيم الشرف والاستقامة والإخلاص الصادق للوطن.
فبعد نشر “ديوان السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار”، عوض المعني بالأمر نفسه لأنه الوحيد الذي يعلم الحقيقة كاملة دون غيره، لبيان استنكاري لم يبين ولم يوضح فيه شيئا سوى التهرب من الإجابة عن التساؤلات المشروعة للرأي العام الوطني بخصوص تلقي “الرئيس” لراتبين اثنين، من الجامعة الفرنسية ومن الحكومة المغربية، بالإضافة إلى تعويضات من الجامعة المغربية، في خرق لكل الأنظمة الإدارية بالمغرب وبفرنسا، بما فيها المواد من 10 إلى 13 (وليس المادة 11 فقط الذي قدمها لنا ديوانه “المبجل”) من المرسوم رقم 84.431، الصادر في 6 يونيو 1984، المتعلق بالمقتضيات النظامية المطبقة على هيئة الأساتذة الباحثين بفرنسا الذي علل به رئيس الديوان رده الخارج عن النص في ما يهم منطق “الإعارة”.
بل، وأكثر من هذا وذاك، حتى الاتفاقية التي تؤطر لإعارة ميراوي من فرنسا، بلده الآخر، إلى المغرب، بلده الأم، تمنع عليه، كما هو مبين في مادتها الأولى، أن يتلقى أجرة من المغرب، ما عدا ال10 في المائة المكملة لأجرته الفرنسية عبر الجامعة المحتضنة له بالمغرب، أي جامعة القاضي عياض بمراكش.
إذن، الدرس الذي أراد به “سعادة رئيس الديوان” في بيانه “الفضيحة” تغليط المغاربة، ومفاده: “الوضعية النظامية للسيد عبداللطيف ميراوي إبان رئاسته لجامعة القاضي عياض بمراكش خلال الفترة الممتدة ما بين 2011 و2019، كانت سليمة بحكم مطابقتها للمقتضيات الجاري بها العمل فيما يخص حركية الأساتذة الباحثين سواء بالمغرب أو بفرنسا”، غير صحيح.
وعليه، من الواجب تنبيه من صاغ “البيان الاستنكاري” أن ميراوي قد جاء إلى مراكش كرئيس لجامعة القاضي عياض، يعني أنه لم يتقدم إليها كأستاذ باحث، وبالتالي فإن التقرير الذي هو مفروض عليه رفعه إلى السلطات الفرنسية، كما هو مقرر في المادة الرابعة من الاتفاقية المذكورة، لن يهم سوى أنشطة خارجة عن تلك التي يصح وصفها بالعلمية.
إذن، لا يستقيم بالمرة مقارنة حالة ميراوي مع باقي الأساتذة المغاربة والأجانب الذين يتنقلون من مختبر إلى آخر ومن بلد إلى آخر في إطار برامج الحركية العلمية بين الجامعية.
رجاءً، اسألوا أهل العلم حتى تعلموا!
وما رفض الوزير الامتثال أمام نواب الأمة لتقديم التفسيرات اللازمة إلا اعتراف أكثر من ضمني بتورطه في هذه الفضيحة الأخلاقية والسياسية.
بناءً على ما سبق، فإن ميراوي يعتبر خارجا عن القانون بمراكمته لراتبين اثنين، الأول من فرنسا وقيمته على الأقل 8.000 يورو، كما جاء على لسان رئيس ديوانه، والثاني من المغرب وقيمته 60.000 درهما، كما هو مبين في قرار تعيينه، الموقع بتاريخ 2 غشت 2011 من قبل أحمد اخشيشن، وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي آنذاك، والذي يشمل فصلا فريدا، مضمونه الآتي: “ابتداء من 21 مارس 2011 ولمدة أربع سنوات يتقاضى السيد عبداللطيف ميراوي، بصفته رئيسا لجامعة القاضي عياض بمراكش أجرة شهرية صافية قدرها 60.000 درهما (72.000.000 سنتيم سنويا)”.
وبالإضافة إلى كل هذه المداخيل، التي تتجاوز قيمتها 150.000 درهم (15 مليون سنتيم) شهريا، فإن “الرئيس ميراوي”، وكما هو معلوم لدى كل من عاصره بمراكش أو بالوزارة خلال ولايتيه الاثنتين على رأس جامعة القاضي عياض، كان يقوم برحلات ذهاب وإياب عديدة إلى فرنسا على نفقة الجامعة، بعض منها تدخل في الإطار الشخصي والبعض الآخر في إطار الفرنكوفونية الذي ترأس وكالتها الجامعية من 2013 إلى حدود 2017، بدعم كبير من الرؤساء المغاربة الذي تنكر لهم فور تنصيبه.
ورغما عن كل ما سبق ذكره، كيف يجرؤ رئيس الديوان، يوم الاثنين 4 يوليوز الجاري، على تبرير ما لا تبرير له، عبر مواقع إلكترونية عهد متتبعو الشأن الجامعي “تطبيلها وتزميرها” لقرارات ميراوي المثيرة للجدل والعجب، باتهام مسؤولي القطاع ب”الترويج للمغالطات” بهدف “تصفيات الحسابات وثني الوزير على عدم القيام بعدد من الإصلاحات لا سيما من قبل مسؤولين أشرفت مدة انتدابهم على الانتهاء”؟!
وكيف يسمح لنفسه بإطلاق أحكام قيمة خطيرة، من قبيل أنه “عندما تشرف مدة انتداب مسؤول ما على الانتهاء، فإنه إما يقبل بالمبدأ الديمقراطي القاضي بتجديد النخب الإدارية والتداول على المناصب العليا، وإما يختار الانخراط في حملات انتقامية”؟! وأن “الوزير يمضي قدما لإيقاف منطق المحسوبية والزبونية ووضع حد للاختلالات التي رصدتها المفتشية العامة (التي يتزعمها صديق طفولته المثير للجدل صاحب التهم الملفقة)”!
وفي ما يشبه الكارثة السياسة، يطل علينا رئيس الديوان، الذي غالبا ما يتناسى قدره وحجمه، ببيان استنكاري، يوم الأربعاء 6 يوليوز، موظفا شعار المملكة للإشارة إلى تنظيم وظيفي، ومقدما للرأي العام “ديوان السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار” كمؤسسة دستورية، مقابل استهجان واسع لكل من فطن للأمر.
هذا البيان، الذي تم نعته إعلاميا ب”البليد”، تاه في عموميات خارج النص فاختار لغة أخرى، غير لغة الحقيقة وتقديم الدلائل والمبررات الموضوعية؛ لقد اختار لغة الهروب إلى الأمام والاتهام، اللذين تفنن فيهما الوزير ميراوي وحوارييه، بادعائه على أن “هذه الحملة التضليلية لن تنال من الدينامية الإصلاحية التي أطلقها السيد الوزير بغية الارتقاء الفعلي والملموس بمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار”.
خرجتا رئيس الديوان، في محاولة منه لتطويق “الفضيحة”، كشفتا للرأي العام عن معالم شخصية الوزير والمنطق الذي جاء به، الذي طبق، فور قدومه، سياسة اقصائية في حق كل من ثبتت استقامته ونزاهته وإيمانه بمبدأ استمرارية مؤسسات الدولة وكل من رفض التطبيع مع النفاق والتملق.
هاتان الخرجتان تبرهنان للملأ على سياسة “التعني” والإستقواء التي انتهجها ميراوي وأرهب بها الناس مدعيا قربه الكبير من الدوائر العليا للسلطة ومتملصا من مسؤولياته عبر رمي اللائمة على الآخرين وتلفيق التهم لهم.
تفاعل الرأي العام المشكك في محتوى بلاغات وبيانات ميراوي دفع بهذا الأخير إلى الضغط على رؤساء الجامعات العمومية من أجل إصدار بلاغات استنكارية وتضامنية معه في موضوع يهمه لما كان رئيسا لجامعة ولا يهم صفته الحكومية الحالية، في خرق سافر لمبدأ استقلالية الجامعة الذي كان دائما ما يتغنى به في خطاباته وحواراته وتصريحاته وتدويناته وحتى تغريداته 4.0 كما يروق له القول من أجل استشراف جامعة المستقبل التي جاء بها من فرنسا للتأسيس لها بالمغرب.
وحتى مديره في الشؤون القانونية الذي عينه ميراوي خلال شهر أبريل الماضي، دون اجتياز المبارة، مباشرة بعد ترسيمه كأستاذ جامعي (تم توظيفه بجامعة القاضي عياض بمراكش خلال شهر دجنبر 2019)، في سابقة فريدة، تجرأ بدوره على رؤساء الجامعات ودعاهم إلى الامتثال لأوامر الوزير وإصدار بلاغات تضامنية.
إن لم يكن هذا هو الشطط بعينه في استعمال السلطة، فكيف يمكن تعريفه إذن؟
كل من لم يقبل من رؤساء الجامعات الامتثال لنزوات الوزير، فإن منصبه سيكون في مهب الريح وستلاحقه “مقصلة” المفتش العام بالنيابة الذي يتفنن كل مرة في اختلاق الذرائع وتلفيق التهم المجانية، على أن يتكفل رئيس الديوان، بعد ذلك، بعملية التشهير الإعلامي لتبرير الإقالة أو الاستقالة لدى الرأي العام كأنه جاء لمحاربة الفساد والمفسدين.
وما استقطاب مكلفة بالتواصل داخل الديوان، قادمةً من مواقع الإثارة، إلا دليل قاطع على السياسة التشهيرية التي اختارها ميراوي.
وما استقطاب “صديقة الوزير”، صاحبة وكالة خاصة للتواصل، التي قدمت لها الأموال من خزينة الدولة خارج كل القوانين والأعراف، إلا دليل آخر على السياسة “التزويقية” التي تبناها الوزير.
هذا “الأوتوماتيزم الركيك” لم يعد سرا داخل الوزارة؛ الجميع يعلم اليوم من يحبك الدسائس والمكائد ومن يضرب في شرف من.
في الحقيقة، نجح ميراوي في فرض الأمر الواقع على رئيس جامعة واحدة، رئيس جامعة الحسن الأول بسطات بالنيابة، الذي أخرج بيانا تضامنيا، بأثر رجعي، مع رئيس جامعة القاضي عياض بمراكش 2011-2019 (الوزير الحالي)، باسم الأساتذة والموظفين والطلبة، ودون استشارتهم، وسط استنكار واسع واستهجان شديد من قبل من تم استغلال صفتهم.
في نفس السياق، حاول عبداللطيف ميراوي جاهدا، عبر وساطات متعددة، ثني رئيس فريق برلماني عن استدعائه له إلى قبة البرلمان لتفسير ملابسات الموضوع أمام أنظار ممثلي الشعب المغربي في لجنة التعليم والثقافة والاتصال.
أليس بالأحرى على ميراوي أن يقدم استقالته من الحكومة ويضع حدا لهذه الفاجعة الاستثنائية التي لحقت بصورة الجامعة المغربية والمغرب ككل؟
هل سيحذو حذو وزراء كانوا وسط زوبعات سياسية وإعلامية، فرنسا نموذجا، بحكم معرفة ميراوي جيدا لهذا البلد، ويقدم استقالته لتفادي مزيد من الفضيحة وحفظا لماء وجه الحكومة؟
في حال ثبوت ما تم تسريبه من وثائق تورط الرئيس ميراوي في تلقي راتبين اثنين، هل سيختار فخامة الوزير إرجاع المبالغ المتحصل عليها خارج القوانين والأنظمة إلى خزينة المملكة المغربية أو إلى خزينة الجمهورية الفرنسية؟
هل التحق عبداللطيف ميراوي وزيرا بالحكومة المغربية في إطار نظام إعارة أو في إطار حر؟