لو كنت وزيرا لاعتقلت إسرائيليا

بقلم: لحسن الجيت

إنه “الطنز” السياسي كما جاء على لسان ادريس الأزمي قيادي في حزب العدالة والتنمية الذي ادعى أن موقف حزبه كان ومازال ضد التطبيع مع إسرائيل وأنه يرفض فيما لوكان وزيرا أن يستقبل أي مسؤول إسرائيلي، وإذا صح له أن يعتقله لما تردد-

هذا الادعاء أهون من بيت العنكبوت، ولا شيء أهون منه في الرد عليه من خلال الكشف عن زيفه وتناقضاته- ففي بداية حديثه عن موضوع التطبيع، حاول هذا القيادي أن يتملص برفضه الوقوف عند حدث تاريخي والمعروف بالاتفاق الثلاثي الذي وقع في شهر دجنبر 2020 بين المغرب وإسراءيل والولايات المتحدة الأمريكية- وهو الاتفاق الذي وقعه آنذاك عن الجانب المغربي رئيس الحكومة السيد العثماني بخصوص استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية- فلماذا يريد السيد ادريس الأزمي أن يطوي هذه الصفحة وكأن شيئا لم يكن، علما بأن حزبه هو الذي كان في عين الحدث وهو الذي كان يقود الحكومة-

 السؤال المطروح على هذا القيادي الذي كان ينبغي أن يجيب عليه في خرجته الإعلامية مؤخرا وهو لماذا لم يجرؤ حزبه في تلك اللحظة التاريخية أن يعبر عن معارضته للتطبيع؟  وبدلا من أن يمدنا بتوضيح في هذا الباب ، ذهب الرجل، كعادة الحزب، في اتجاه ضغضغة مشاعر الناس في أفق الاستحقاق الانتخابي المرتقب- هذا النوع من المواقف عوذنا عليها حزب العدالة والتنمية حينما يكون فقط في المعارضة حيث يتظاهر بالقوة وينفخ ريشه لكنه سرعان ما يتراجع عنها بمجرد أن يتولى السلطة-

 وتصريح السيد ادريس الأزمي ليس هو الأول من نوعه فقد سبقه إلى ذلك شيخ الحزب عبدالإله بنكيران الذي وعد الناخبين كمعارض بأنه سيحارب الفساد لكنه وهو يتربع على كرسي رئاسة الحكومة قال في عبارته المشهورة “عفا الله عما سلف”- وحينما طبق جسده لحما وشحما لم يعد يؤمن بقولة عمر بن الخطاب حينما خاطب بطنه”غرغري أو لا تغرغري لن تذوقي اللحم حتى يشبع أطفال المسلمين”-يبدو أن راتبة الحالي أنساه كل شيء-

ولذللك مادام السيد ادريس الأزمي يؤمن حقيقة بأنه هو وحزبه ضد التطبيع، فلماذا يرى نفسه وزيرا في الحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات المقبلة والحال أن النقطة المدرجة في جدول برنامجها السياسي كانت وستبقى هي الاستمرار في تعزيز العلاقات المغربية الإسرائيلية- هل السيد ادريس الأزمي لا يعلم ذلك؟ أنا لا أستطيع بهذه المبادئ التي يتحدث عنها هذا الرجل أن أراه في الحكومة المقبلة- فعوض أن يقول لنا لن أستقبل كوزير أي مسؤول إسرائيلي ، كان عليه أن يقول لنا لن أكون عضوا في أية حكومة برنامجها السياسي ما زال قائما على ما يسميه بالتطبيع- فإن قالها سيكون منطقيا مع نفسه وسنحترمه-

 أما أن يبيع الوهم والبهتان للناخبين ويضحك على الناس فهذا أمر مرفوض- وإن كان صادقا أتحداه أن يخرج بتصريح يعلن فيه أن حزبه لن يدخل أية حكومة ما لم تتوقف عن مسلسل التطبيع- وإن كان لا يعلم فإننا نزف إليه هذا الخبر وهو أن مسار العلاقات المغربية الإسرائيلية آخذ لا محالة في التصاعد- وقد شهد شاهد من أهلك يا رجل لقد قالها السيد عبدالإله بنكيران بصريح العبارة “لقد فشلنا في إسقاط التطبيع”-

من جهة أخرى، يهدد السيد ادريس الأزمي أنه إذا صح له كوزير أن يعتقل إسرائيليا لفعل ذلك بدون تردد- في هذه “الشقلبةّ” التي جادت بها الخلايا الدماغية لهذا الرجل تبرهن عن جهله التام للقوانين والمؤسسات، وأن السلطة ليست نزوات كما يريدها السيد الوزير- فعن أي اعتقال تريد أن تسمح لنفسك به أو تتمناه- ولا حاجة لي أن أذكرك بأن وزير العدل بنفسه لا يحق بأي وجه كان أن يأمر باعتقال أي شخص كان – الاعتقال ليس من اختصاص السلطة التنفيذية ككل- وما تريده إن كتب لك أن تكون وزيرا في المستقبل فهو دعوة للفوضى والتطاول على السلطات القضائية في البلاد- فأنت بهذه الحمولة العدائية لن تكون في مستوى المسؤولية داخل حكومة صاحب الجلالة-

إجمالا، لا يمكن استكمال قراءة هذه التصريحات من دون وضعها في السياقات والظرفية التي تمر بها البلاد- فحزب العدالة وغيره من يساريين وقومجيين عودونا دائما بالتشويش على ما يحققه المغرب من إتجازات ومكاسب سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي- والسيد ادريس الأزمي الذي يشده الحنين وتتملكه الرأفة بالفلسطينيين ويستغل ذلك لمهاجمة التطبيع، فاين كان حزبه الذي لم نراه في كارثة الفيضانات التي ضربت شمال المغرب ولم يلتفت إلى المغاربة المتضررين لا بكلمة خير ولا بتعبئة حزبية من مناصريه – فهل أبناء الفلسطينيين جديرين بالرأفة أكثر من أبناء القصر الكبير –

 فمن الذي أنقذ أبناء هذا الوطن ؟ بكل تأكيد الدولة المغربية هي التي كانت بجانبهم لحظة بلحظة- والعالم كله اعترف للمغرب بهذا الجهد، إلا أنتم أيها الإسلامويون واليساريون والقومجيون- فلا تذهبوا يوما ما لتتسولوا أصواتهم- تصرفاتكم اليوم ستكون شاهدة عليكم غدا-

أما على الصعيد الدبلوماسي، ففي لحظة ينتشي فيها المغرب بانتصاراته على خصوم وحدته الترابية في مدريد وفي واشنطن حيث يتبوأ بلدنا مكانته المرموقة في مصاف الدول الوازنة، عندها في تلك اللحظات التاريخية تبدو على وجوهكم حالات التجهم وكأن نجاح الدولة المغربية هو بمثابة إخفاق وفشل في أجندتكم التي تراهنون فيها على رؤيتكم لمغرب تتمنونه أن يكون في حالة وهن وضعف- وقد ساء وحبطت مخططاتكم ونواياكم-

فالمغرب أقوى بكثير مما كان في البناء والتشييد وفي مكانته المشهود بها عالميا- فالمكانة التي انتزعها المغرب في منظومة مجلس السلام ليست منة ولا منحة – فهي شهادة دولية تعترف للمغرب بدوره الريادي في خدمة قضية السلام-

فمعاهدة “كامب ديفيد” بين مصر وإسرائيل كان من ورائها المرحوم الملك الحسن الثاني، وكذلك الأمر بالنسبة لمؤتمر مدريد كان لهذا الملك العبقري دور كبير في الجمع بين وفد عربي مشترك جمع مصر والأردن ولبنان وسوريا حافظ الأسد والفلسطينيين على طاولة واحدة  مع الجانب الإسرائيلي- واليوم حينما يوكل هذا الدور للمملكة المغربية من جديد من طرف مجلس السلام لإعادة بناء قطاع غزة وتأهيله، فذلك الإسناد لم يأت من باب العبث لأن المغرب كان لاعبا أساسيا في إنقاذ الفلسطينيين والوصول إلى بيوتهم المدمرة في أحلك اللحظات التي شهدت الحرب الأخيرة، ولأن ميزة المغرب كذلك أنه يقف على مسافة واحدة من الأطراف المتنازعة-وهو وسيط مطلوب ومرغوب فيه سواء لدى الجانب الفلسطيني أو الجانب الإسرائيلي-

رغم كل ذلك، يبدو أن السيد ادريس الأزمي غير مقتنع بما حققه ويحققه المغرب حتى ولو أن الفلسطينيين باتوا على درجة كبيرة من القناعة بالأدوار الخيرة التي يتولاها المغرب- فارحموا هذا الشعب الذي يعاني فهو ليس بحاجة لغوغائيين من أمثالكم- لذا أنصحكم بالابتعاد عن السياسة لأنكم لا تفقهون أبجدياتها وتخلطون بين السياسة والدين فلا أنتم رجال دين ولا أنتم رجال سياسة- فأنتم تمتهنون الكذب والنفاق، وما هكذا بعقلية يدار الشأن العام-.

اترك رد