مراجعة دستورية دعامة لتنزيل الحكم الذاتي
بقلم: لحسن الجيت
لا شك أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب عام 2007 باتت اليوم تمثل الحل الوحيد القابل للتنفيذ على أرض الواقع بعد أن أرتقى بها قرار مجلس الأمن الدولي 2797 الى مستوى الشرعية المطلوبة لإنهاء هذا النزاع المفتعل الذي عمر ما زاد عن اللزوم نصف قرن من الزمن-
وقد سارع المغرب في خطاب ملكي رحب فيه جلالة الملك عن مدى استعداد مملكته للتجاوب مع مقتضيات ذلك القرار الأممي والعمل على تحيين مبادرة الحكم الذاتي في جزئياتها وتفاصيلها الدقيقة- ولأن القضية قضية وطنية تخص جميع أطياف الشعب المغربي دعي جميع رؤساء الأحزاب الممثلة في البرلمان إلى تقديم تصوراتهم لما ينبغي أن يكون عليه الحكم الذاتي وتم عرضها في إطار لجنة ملكية من مستشاري جلالة الملك للاستئناس بها في الصياغة المطلوبة بعد عملية لتحيين مبادرة الحكم الذاتي- الوثيقة الأولية لم تكن تتجاوز ثلاث صفحات إلى أن أصبحت اليوم وثيقة من أربعين صفحة-
بعد الاجتماع المغلق والأول من نوعه الذي عقد في تكتم شديد بمقر السفارة الأمريكية بمدريد ،أول ما يمكن تسجيله في هذا الباب أن ذلك الاجتماع ضم وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا بالإضافة إلى مندوب عن جبهة البوليساريو تحت رعاية أمريكية في شخص مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بوليس وحضور مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة “ستيفان دي مسيتورا“-
ثانيا، مادام الاجتماع عقد في مقر السفارة الأمريكية وتحت رعاية المستشار الأمريكي والمندوب الدائم للولايات المتحدة الأمريكية، فإن الوضع يوحي بأنه أصبح تحت السيطرة وأن التوجه العام لن يخرج عن مسار تفاوضي على أساس واحد ووحيد هو حصر النقاش على قاعدة الحكم الذاتي ولا مجال لطرح البدائل-
ثالثا، يبدو أن الطرف الجزائري أرغم على أن يتململ من الموقف الذي كان متسمرا فيه وظهر على أنه هو الطرف الأساسي في هذه الجولة بعد أن كان يرفض الانضمام إلى الموائد المستديرة- وكما تفيد بعض المعلومات أن الجانب الجزائري قبل بتسلم الوثيقة التي أعدها المغرب بخصوص الحكم الذاتي بعد تحيينه-
رابعا، القبول باستلام تلك الوثيقة تعني في ماتعنيه أن الجزائر قد تذهب في اتجاه دراستها والرد عليها في أفق الاجتماع المقبل الذي ينتظر أن يكون بواشنطن في شهر أبريل القادم- وبحسب بعض القراءات أن لقاء واشنطن سيسخر لمناقشة مستفيضة لما تضمنته الوثيقة المغربية للوقوف على اتفاق يحدد الإطار السياسي الذي قد يرفع لاحقا إلى الأمم المتحدة-
خامسا، تفيد كذلك بعض المعلومات أن المغرب قد يكون مدعوا إلى تسليط بعض الضوء على جوانب قانونية وتقنية تشكل دعامة أساسيةلتنزيل الحكم الذاتي بوضع ضمانات للاستمرارفي هذا المشرع السياسي وبالتالي رفع كل الشكوك والهواجس التي قد يتذرع بها من يرى في نفسه منساقا على مضض لهذا التطور اللافت-
وتحسبا لهذا المسار التصاعدي الذي يبدو أنه قد دخل مرحلة العد التنازلي في اتجاه الحسم ،وكذلك من منطلق الإيمان بأن هذه القضية الوطنية تخص جميع المغاربة بدون استثناء أخذا بعين الاعتبار الاستشارات التي جرت من قبل مع أبرز الأحزاب السياسية، فإن جميع فعاليات المجتمع المدني ورجال الفكر والسياسية يحق لكل من موقعه أن يدلو بدلوه وأن يساهم بما أوتي من تمكين إما بالتنبيه أو الإحالة على أمر ما أو أخذه في الحسبان لإغناء النقاش العمومي في مرحلة مصيرية يهمنا أن يتجاوزها الوطن بنجاح-
ومن جانبنا، نعتقد أن البعد الدستوري يجب أن يكون هو الآخر حاضرا كجناح من أجنحة النجاح في التحليق بالحكم الذاتي والنأي به عن العبث بتوفير الضمانات اللازمة من الناحية الدستورية- ولذلك، قد نوصي أولي الأمر بأن تنزيل الحكم الذاتي في أقاليمنا الصحراوية هو بحاجة إلى تعديل أو مراجعة في دستور المملكة-إذن أين تكمن أهمية ذلك التعديل أو تلك المراجعة؟
فيما يبدو لي أن دستور المملكة 2011 لا يتحدث عن نظام الحكم الذاتي بل وضع المرتكزات القانونية للامركزية متقدمة أو بات بما يعرفبالجهوية الموسعة- ونحن لا نقلل من جدوى هذه الجهوية فهي بلا شك قفزة نوعية في مجال تدبير الشأن العام بمفهومه الشامل لما تنطوي عليه من استقلاليات متعددة ومتنوعة سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي- لكن هل غيرنا ينظر إلى هذه الجهوية الموسعة بنفس النظرة التي ننظر إليها نحن من الداخل؟ هنا تكمن الإشكالية وهنا يكمن مربط الفرس-
الفرق في هذه المقاربة لعله كبير جدا- فالجهوية الموسعة كانت شأنا داخليا وكان لنا حق التصرف فيها على اعتبارها أنها خطوة أعدت مبكرا في مرحلة انتقالية لتهيئة الأرضية المناسبة نحو تطويرها إلى حكم ذاتي في مواجهة تطورات كتلك التي نحن فيها اليوم- ولذلك، نعتقد أن الظرفية الراهنة تحتم علينا أن نحافظ على هذا الزخم وعلى قوة الدفع التي أفرزها القرار 2797 من خلال تضمين دستور المملكة مقتضيات تنص على تمتيع الأقاليم الصحراوية بحكم ذاتي يستند على مؤسسات سياسية وإدارية وقضائية يوكل فيها التسيير إلى أبناء تلك الأقاليم مع تكريس كل مظاهر السيادة والوحدة الترابية للمملكة بجميع رموزها الوطنية في أبعادها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والدفاع–
من دون شك أن هذه الضمانات الدستورية ستجعل المنتظم الدولي أكثر ثقة بمصداقية المغرب ويظهره أنه جاد في التزاماته والإيفاء بهافي حدود ما تمليه جغرافية الحكم الذاتي التي أثير حولها النزاع على مدى نصف قرن- لكن أكثر ما ينبغي ان يشد الانتباه وهو ان نقطع الطريق على كل محاولة للابتزاز او الانجرار الى خانة إضعاف المغرب من قبيل الانحرافات التي قد تطرأ على مسار المفاوضات كأخذنا إلى مربعات أخرى لا علاقة لها بتسوية النزاع المعروض مثلمقايضة الصحراء الغربية بالصحراء الشرقية- الخلط ممنوع والتنابز بالمنقار كذلك، فلكل تسوية سياقاتها وأحكامها وضوابطها-
أهمية الحكم الذاتي لا تتوقف فقط عند التنصيص عليها في الدستور بل يكمن أيضا سرها في اللجوء إلى آلية الاستفتاء الشعبي– الوثيقة الدستورية أيا كانت تستمد قوة الدفع بتزكيتها وإقرارها بفضل اقتراع عام أي من طرف كل مكونات وأطياف الشعب- وكذلك الأمر بالنسبة لأية مراجعة أو تعديل دستوري-
فالحكم الذاتي الذي نحن بصدده اليوم تجري عليه نفس الأحكام وتزداد أهمية هذه المقاربة أكثر لأننا أمام قضية وطنية تهم حاضر ومستقبل المملكة كما همت اليوم وكذلك غدا جميع المغاربة الذين انخرطوا في قضية لعلها أكبر من قضية حدود لتتحول إلى قضية وجود- لذلك من حق المغاربة قاطبة أن تكون لهم كلمتهم عبر استفتاء شعبي من طنجة إلى لكويرة، كما كانت كلمتهم حاضرة بقوة في المسيرة الخضراء وفي الدفاع عن حوزة الوطن-
تزكية الحكم الذاتي عبر استفتاء شعبي سيعزز من مكانة المغرب في مواجهته أعدائه وخصومه وسيجعل المغرب أقوى بكثير في الدفاع عن طرحه معزز بشرعية شعبية- وأن هذا الاستفتاء الذي نريده أن يجرى على الصعيد الوطني بما في ذلك ساكنة الأقاليم الصحراوية سيكون الصخرة المستميتة التي تتحطم عليها أحلام وأوهام المتربصين والمتشدقين باستفتائهم المبيت والمدسوس – استفتاء المغاربة في الحكم الذاتي من خلال استشارة دستورية هو استفتاء بطعم تقرير المصير في آن واحد-
ومن جهة أخرى، أن الارتقاء بالحكم الذاتي إلى مستوى جعله نصا دستوريا يعطي للمغربمناعة قوية ويحافظ على تماسك البلاد في وحدتها الترابية والبشرية، ويخلق وعيا لدى الجميع مؤسسات وأفراد من خلال الانضباط والإحتكام إلى المصالح العليا للبلاد- إن المغرب بلد عريق وله من المقومات ما يجعله يثق في المستقبل ولكن هذه الثقة لا يجب أن تحجب عنا بأن هذا البلد بالرغم من ذلك فهو مستهدف- فمواجهة المخططات المناوئة لن تتوقف عند حدودما نعاينه من تسويات- ولأن في التاريخ عبر وأحكام علينا أن نتعلم منها، والحفاظ على البيت وصونه هو الاشتغال عليه اليوم وليس غدا-