مساواة المرأة بالرجل في الإرث مجانبة للصواب.. فالإسلام غلب ميزان المساواة العادلة على المساواة المطلقة..(3)

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: د. طارق ليساوي(*)

أشرنا في مقالين سابقين إلى ان الجدل الدائر حول المساواة في الإرث بين الرجل و المرأة فيه تضليل لعموم المسلمين و مجانبة للصواب و اعتمدنا في تأكيد ذلك على إعطاء نبذة عن واقع المرأة قبل البعثة المحمدية و في الحضارات التي لا تنتمي لجغرافية الإسلام، و رأينا كيف كان ينظر إلى المرأة في القانون اليوناني و الروماني و في الشريعة اليهودية، فالمرأة إلى حدود مطلع القرن 20م لازالت تعامل كما يعامل الطفل و المجنون فهي فاقدة للأهلية القانونية وتابعة لوليها أبا أو زوجا و لا تملك إرادة مستقلة لإبرام العقود أو التملك، عكس ما جاءت به الشريعة الإسلامية، التي منحت للمرأة حقوقا و فرضت عليها واجبات، مثلها في ذلك مثل الرجل..كما أبرزنا في المقال الثاني الفرق بين المساواة و العدل، و بينا بأن العدل أشمل من المساواة، و الإسلام في تعاطيه مع حقوق المرأة عامة وميراثها خاصة، غلب ميزان العدل حتى لا يضر بالمرأة و لا الرجل، وهذا المقال هو استكمال لهذه الجزئية و توسع في التفصيل و التوضيح، لإزالة اللبس و تدارك التقصير الوارد  بالمقال السابق..

فالإسلام أسس لمفهوم “المساواة العادلة” و ليس “المساواة المطلقة”، و “المساواة العادلة’ تجمع بين المتساويين وتفرق بين المفترقين،فالجمع بين المتساويين يكون بمساواة الرجل والمرأة في الثواب والعقاب، وفي تكاليف الشرع والخصائص الإنسانية على اختلافها، فالإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في العديد من المظاهر، لكن هناك بعض نقاط الاختلاف في بعض الأوصاف بينهما، بسبب وجود فوارق جسدية وفيزيولوجية ونفسية بين كل منهما، و قد حدد إطارا ضابطا وحاكما للعلاقة الصحيحة و السليمة، التي يجب أن تقوم بين الرجل والمرأة و هي علاقة تكامل و تعاون، و ليس تنافس و تنافر، و قد شبهنا هذه العلاقة البنيوية بالليل و النهار… و من أبرز مظاهر المساواة بين الرجل والمرأة وفق التصور الإسلامي:

– و حدة الأصل قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ } [النساء : 1] فالمرأة تشترك مع الرجل في الرفعة والسمو، فمتى سلك كل منهما سبل الرشاد والاستقامة والسمو حصل له ما أراد، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9)} [الشمس : 7-9]..

– المساواة في معظم التكاليف الشرعية، إلا ما نصت الشريعة على خلاف ذلك- وهذا ضمن حدود ضيقة جدا، و يمكن أن تكون مجالا للاجتهاد، والمساواة في مقاصد الشريعة الستة العامة: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ المال، وحفظ العقل، وحفظ النسل…

– المساواة في حق التعبير و حق الملكية، فالمرأة لها ذمة مالية منفصلة عن الرجل تماماً..و المساواة في بعض الأعمال الدنيوية، المساواة في منظومة القيم والأخلاق، و المساواة في الاستفادة من مختلف السلع و الخدمات العمومية كالصحة والتعليم والشؤون الاجتماعيّة، و  في العلم والتعلم، و فيما يتعلق بالواجب العيني والواجب الكفائي، إضافة إلى المساواة في الرخص الشرعية و في نظام العقوبات والمساواة في حقها في الميراث بمعنى عدم حرمانها من الإرث، كما كان سائدا  قبل البعثة المحمدية، أو كما يحدث في العديد من الحضارات إلى وقت قريب…

فالعدل أشمل من المساواة وهو ضابط لها، فالعدل أن تأخذ المرأة نصف الرجل في الميراث، وهو يقتضي أيضاً أن تتساوى الأختان في الميراث…فالإسلام هو دين عدل وليس دين مساواة، وذلك لأن العدل يعني الموازنة بين جميع الأطراف فيأخذ كل ذي حق حقه دون تبخيس، أما المساواة فقد تعني التسوية بين أمرين بينما يكون من الحكمة التفريق بينهما، فقد  أمرت الشريعة الإسلامية بالعدل بين جميع الناس بشكلٍ مطلق وفي كل زمان ومكان، فقد قال تعالى في كتابه الكريم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء : 135] و قد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز  بالعدل في معظم آياته و لم يأمر بالمساواة إلا في بعض الحالات، وذلك لأن العدل يكون في جميع الأوقات، بينما المساواة فقد تكون في أوقات معينة فقط…

أما  الاتجاه الداعي “للمساواة المطلقة” و الذي ترفع شعاره العديد من الحركات النسوية، و بعض ممن يردون ابتغاء الفتنة ونقض عرى الدين، فهو مطلب دخيل و لا يعبر بالضرورة عن حاجة أصيلة للمرأة المسلمة،  التي تعرف جيدا بأن  أنصبة الميراث قد حددتها آيات القران الكريم في الغالب و بنصوص قطعية لا تقبل التأويل، و هي تقرأ أيضا في سورة “النساء” قوله  تعالى:  “للذكر مثل حظ الأنثيين “، وتعلم علم اليقين أن إسلامها لن يكتمل إذا شككت في أحكام الله و التي جاء بها رسوله الكريم محمد عليه الصلاة و السلام ، فقد قال تعالى : {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء : 65]، فطاعة الله و رسوله و الالتزام بما جاء في القران والسنة هو من تمام  الإسلام و الإيمان قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال : 46] و و قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء : 59]…

لكن كثيرين من الذين يثيرون الشبهات حول أهـلية و حقوق المرأة في الإسـلام، يوظفون التمايز في الميراث سبيلاً إلى ذلك،  و يتبعون الظن و المتشابه ابتغاءًا للفتنة و التأويل متجاهلين قول الله تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران : 7] وهم  لا يفقـهون أو يتجاهلون أن توريث المـرأة على النصـف من الرجل ليس موقفًا عامًا ولا قاعدة مطردة في توريث الإسلام لكل الذكور وكل الإناث…

لذلك، فإن  دعوى المساواة في الإرث مطلب استشراقي في الأساس، فقد تعرض المستشرق “كولسون” في كتابه “الميراث في الأسرة المسلمة” وكذلك “جولد تسهير” لهذه القضية و حاولوا تفسير النصوص و تأويلها تأويلا منحرفا و مجانبا للصواب،   و إستندوا في تأويلهم على تاريخية نصوص الأحكام بمعنى: أن فهم التشريعات الإسلامية لا يصح إلا في الإطار التاريخي والسياق الاجتماعي لها في الجزيرة العربية، فالأحكام الشرعية مرتهنة بالشروط الاجتماعية والتاريخية التي نزلت فيها، وتبعا لذلك فإن تغير الزمن يقتضي  تغيير الأحكام، فإذا كانت المرأة ترث نصف الرجل فهذا سببه أن القرآن خاطب مجتمعا السيادة فيه للرجل، ولم تكن المرأة ترث فيه أصلا، واتسمت حياتهم بالحروب والاعتداءات القبلية، وغياب السلطة المنفذة للأمن والأحكام، فكان تشريع الإرث بالنصف نوعاً من التدرج، لأن المجتمع لن يقبل بأكثر من هذا، اليوم مع هذا التطور الذي حدث وصارت المرأة تعمل مثل الرجل فيجب أن ترث مثله..

و الحجة التي ساقوها لإثبات هذا الطرح،  قيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإيقاف تنفيذ سهم المؤلفة قلوبهم، لتغير الزمن في عصره عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعطى فيه المؤلفة قلوبهم… وهو فهم خاطئ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يلغ السهم ولا يملك ذلك، إنما اجتهد في تحقيق مناط الحكم، فجمهور الفقهاء متفق على بقاء السهم واستمراره، بل إن التطورات التي يشهدها العصر الحالي كشفت عن الحاجة إلى تفعيل هذا السهم ..فالقول بتاريخية الأحكام قول خطير جدا لأن نتائجه لن تقف عند قضية المساواة في الميراث، وإنما تعنى نسخ كل الأحكام وتغييرها، وتعنى إقليمية رسالة الإسلام وإنهاء عالميته وخلوده، وصلاحيته لكل زمان ومكان. وبالتالي يصبح الزمان والأعراف هي الحاكمة على النصوص لا العكس، وأن شريعة الإسلام جاءت لتلك المجتمعات فقط بدليل أننا نبدل هذا التشريع اليوم لأنه لا يناسب عصرنا. كما تعني التاريخية أن التشريع الإلهي غير معصوم، وأن احتمال وجود الخلل والنقص فيه وارد بل واقع، وهذا التوجه هو الذي يحكم توجه أغلب من يتزعمون التيار الحداثي في أغلب البلدان العربية و الإسلامية..

 و خلاصة القول، فالغاية من هذه الدعوة، ليس ضمان كرامة المرأة و الدفاع عن حقوقها، وإنما الغاية دحض رسالة الإسلام و تحريفه في القلوب و العقول، والتشكيك في مصدره الرباني و دحض بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، و في ذلك إضرار بالمرأة و حق أريد به باطل في الغالب،    فالمساواة هي الهدف الذي ترمي إليه العدالة، فهي الغاية المرجوة من تحقيق العدل، حيث “إن العدل ما هو إلا القسط الذي يلزم للاستواء”، وبالتالي فإنه “لتحقيق المساواة بين الأطراف دون زيادةٍ أو نقصان يلزم تطبيق العدل على أكمل وجه…” فالمساواة “قيمة وهدف، أما العدالة فهي خلقاً”، فالمساواة تشتمل على التسوية فقط، “بينما يشتمل العدل على التسوية والتفريق”، فالعدل أشمل من المساواة

لكن دعاة “المساواة المطلقة” في الإرث بين الرجل و المرأة ، لم يقولوا للناس أن القرآن الكريم لم يقل : “يوصيكم الله في المواريث والوارثين للذكر مثل حظ الأنثيين”  و إنما قال : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ).. أي أن هذا التمييز ليس قاعدة عامة في كل حـالات الميراث، وإنما هو في حالات خاصة، بل ومحدودة من بين حالات الميراث و هو ما سيحاول المقال توضيحه…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

(*) إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق اسيوي

اترك رد