ملاحظات حول الخلاف المغربي السعودي او بين الحضارة والبداوة

بقلم: نور الدين حاتمي
تعرف العلاقة بين المغرب وبين الامارات والسعودية توترا كبيرا، سعى المغرب الى الإبقاء عليه مستورا وتعمد عدم الاعلان عنه، كما يقتضي واجب الاخوة، الى ان اختارت المملكة العربية السعودية التصعيد، والدفع بهذه العلاقة الى المزيد من التعقيد .
يعتقد السفهاء، من بدو الصحراء ورعاة الابل، انهم ذوو شأن، وأن لهم حقوقا، يتوهمونها ،على المغاربة وذلك بسبب توهمهم أن المغاربة يعتاشون من منحهم وعطاياهم ، وأن قطع هذه[ العطايا ] من شأنها أن تضرهم و أن تدفعهم الى الاستجداء. و ايضا ، بسبب ان المغاربة اوحوا اليهم بانهم كذلك ، من خلال طيبتهم وغفلتهم .
ما هو اصل المشكلة ؟ لا شك ان الرعاة ، في كل من الامارات والسعودية ، هم المسؤولون ، اولا واخيرا، عن هذا الخلاف ، حيث اعتقدوا ان المغرب يمكن أن يكون تابعا لهم وأنهم بإمكانهم أن يملوا عليه شروطهم . و نسوا، أو تناسوا ، أن المغرب يتصرف كدولة ذات سيادة، و لا يسمح لأين كان ان يتدخل في مواقفه، أو أن يحدد شكل علاقاته مع الدول والمنظمات الاخرى.
لقد كان المغرب ، وما يزال، بلدا يحكم منطق الدبلوماسية ، والحوار المباشر مع خصومه، و يمد يده لهذا الحوار. ولذلك بقي صامتا حيال التجاوزات التي ما فتئ الرعاة والبدو يقومون بها استفزازا له، وإخراجا له عن طوره.
المغرب يفعل ما يمليه عليه ضميره، وما تقتضيه مصالحه، وهو لا يرى، للسفهاء من جزيرة العرب، أي حق لهم عليه، الا ما يفرضه واجبه الديني، وما تتطلبه الروابط العربية الاخوية . وهي، في كل الأحوال، مرعية من قبل المغرب .
لا شك ان المغرب يتحمل جزءا كبيرا، من مسؤوليته، حيال تطاول هؤلاء عليه، واستخفافهم بشخصيته التاريخية ، التي ناضل ،ولا يزال يناضل، في سبيلها وفي سبيل بنائها ، حيث أشعرهم ، أنهم أكثر من مهمين بالنسبة اليه ، وأن اهميتهم ، تلك حيوية واستراتيجية ، وأنهم بوسعهم التأثير عليه في اتخاذه قراراته.
يتناسى هؤلاء البدو، ان المغرب بلد شامخ ، له تاريخه ، وهو يفخر به، أي بتاريخه وبالأمجاد التي يزينه بها ، وله حضارة حقيقة ، حري به أن يعتز بها. ولا حظ باحث تونسي ان دولا تغار من المغرب، فقط، لأنه لعب ادوارا خطيرة وجبارة في التاريخ، وأن مكانته في التاريخ مكانة لا غبار عليها.
وربما كانت مشكلة هؤلاء الرعاة ، أنهم لا يعرفون هذه المعطيات، ولا يقدرون المغرب حق قدره،
المغرب ليس في حاجة اليهم ،كما لم يكن في حاجة اليهم من قبل. المغرب له علماءه، وله مفكروه، وله كتابه، وهو يستغني بهم عمن هم دونهم من الرعاة والبدو.
ما الذي استفاده المغرب منهم ؟ الحقيقة انه جنى على نفسه، وعلى ابنائه يوم سمح لمسوخهم من رجال دينهم، ان يهجموا على سماحة تدين المغاربة وبساطته، وان يشوهوه وان يفسدوه عليهم ، وأن يؤخروا مسيرتهم نحو[[ العقلانية]] بما صدروا اليه من ثقافة الانحطاط والتخلف.
المغرب اكثر ثقافة منهم، واكثر حضارة منهم، تاريخه يشهد على ذلك، [نحن لا نفاضل الا بين السعودية والامارات ولا نتعدى الى غيرهما]
واعتقد انه، ان الاوان، كي يرد المغاربة عليهم ارثهم، ومذهبهم واختياراتهم الهدامة، وان يتخلص منهم ، ومن عبئهم ، وان يرد عليهم بما يليق بهم، حتى يعرفوا ان المغرب اكبر منهم ، وانهم لولا النفط ،الذي لا يتصرفون فيه ،لما التفت اليهم احد.
كما اعتقد ان زمن الرعاة والبدو في كل من الامارات والسعودية بدأ في العد التنازلي و أن نهايتهم باتت وشيكة ،وأن انقلابا عاما وشاملا سيأتي على أخضرهم ويابسهم، وسيذوقون فيه وبال امرهم وعاقبته.
لقد بدأ الناس يطرحون الاسئلة بشأن الحج، وانخرط جمع من المثقفين، في الحديث عن ضرورة اسقاط هذه الفريضة، ولو مؤقتا، حتى لا يسفيد من عائداتها [[الدب الداشر]] . وسبق ان علماء الشيعة في العراق، في تسعينات القرن الماضي، كانوا افتوا بسقوطه عن الناس، لان فقراء الشيعة عندهم اولى بتلك الاموال، فلو انتبه مثقفو العرب اليوم، ووسعوا هذه الفتوى وروجوا لها، فلربما كان فيها فضل كثير، إذ ينصرف الناس عنه وتكسد تجارتهم ويكفون عن هذه العجرفة البدوية الفارغة.
الرعاة والبدو، من هؤلاء السفلة، لم يتغيروا . وانى لهم ذلك؟ فرغم اكتشافهم للثروة النفطية، ورغم الغنى الذي حصلوا عليه، إلا انهم بقوا ،كما كانوا، همجا رعاعا لم يخطوا خطوة واحدة في طريق التحضر، ولم يرتقوا درجا واحدا في سلمه، وبقي الراعي السعودي او الاماراتي في تمثل الناس رمزا للسفالة والكبت والانحطاط .
يزعم هؤلاء الرعاة انهم عرب اقحاح واحفاد الصحابة، ويدعون ان غيرهم عرب ومسلمون من الدرجة الثانية أو الثالثة، على الرغم من ان التاريخ يكذب دعاويهم، ويرد عليهم اكاذيبهم، حيث يذهب[ التاريخ] الى ان الصحابة خرجوا من صحرائهم وانهم استوطنوا الارض الخضراء والطيبة التي طالما حلموا بها. كما يذكر التاريخ، ايضا، ان الذين استوطنوا في جزيرة العرب، في غالبهم الاعم، ليسوا الا عبيدا تم استرقاقهم وسوقهم اليها، او اناسا، من العجم، استقروا فيها ، وليس لهم من العروبة الا الدعوى او اللسان، وهم في ادعائهم العروبة ليسوا أحق بها من غيرهم، ولا غيرهم اقل منهم حقا فيها.
وكدليل على حقارة هؤلاء السفلة، فقد هبوا للمس بالمغرب في صحرائه. والمغرب يعتبر الصحراء خطا احمر لا يتسامح مع من يقترب منه. والشعب المغربي ،قاطبة، تتحقق وحدته اذا تم المساس بسيادته على ترابه، حيث يعتبر المغرب وحدته الترابية من الثوابت الوطنية المقدسة التي لا يجوز التهاون فيها ،أو التساهل مع من يستهين بها .
لا يتوقف تمسك المغرب بصحرائه على اعتراف الرعاة والبدو، بل ولا يتوقف على اعتراف العالم ، كله، له بهذا الحق. المغرب لا يفاوض على صحرائه ولا يفاوض على ارضه وترابه.