موقف المغرب بالأمم المتحدة لا يتعلق “بالضغط على الزر” وإنما هو مبني على أسس عميقة ومعانٍ دقيقة

بالواضح - عبداللطيف أبوربيعة

بين الصورة البارزة والعنوان

..على بعد أيام قليلة من فشل مجلس الأمن في إصدار قرار يدين اجتياح روسيا لجارتها أوكرانيا واستعمالها القوة العسكرية على أراضيها بعد أن أشهر ممثل روسيا بمجلس الأمن حق النقض “الفيتو” ضد القرار،عرفت جلسة التصويت على قرار بالأمم المتحدة تحت عنوان “العدوان على أوكرانيا” ضد روسيا نقاشا ساخنا وتوالت الإدانات والانتقادات ضد روسيا والتي جاءت متضمنة في مداخلات ممثلي الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال جلسة  التصويت على القرار والتي توجت أشغالها بالتبني وبأغلبية ساحقة القرار الذي  يقضي بإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا ويطالب روسيا بإلإنهاء الفوري لعدوانها.. وهو القرار الذي وإن كان غير ملزم، يبقى ذا دلالة سياسية رمزية بالنظر للإجماع الذي حصل عليه في الجمعية العامة للأمم المتحدة ويعتبر ثاني قرار يدين روسيا بعد الذي تم التصويت عليه ضدها سنة 2014 بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم والذي صوتت آنذاك لصالحه 100 دولة عضوا بالأمم المتحدة مقابل معارضة 11 دولة وامتناع 58 عن التصويت.. القرار الأخير اليوم ضد روسيا  تحت عنوان “العدوان على أوكرانيا” صوتت لصالحه 141 دولة عضوا بالأمم المتحدة و5 ضده، فيما امتنعت35 دولة عن التصويت واختارت 12 دولة عضوا بالأمم المتحدة عدم المشاركة في جلسة التصويت ومن بينها المغرب.. قرارقال في أعقاب التصويت عليه “أونطونيو غوتيريس” الأمين العام للأمم المتحدة  بإنه رسالة قوية وواضحة. مطالبا بوضح ضع حد فوري للعمليات الحربية في أوكرانيا وبفتح الباب للحوار والدبلوماسية..
وبين مؤيد للقرار الأممي ومعارض له وممتنع عن التصويت ومن اختار عدم المشاركة في جلسة التصويت تباينت الآراء واختلفت التبريرات والحجج التي أصدرتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بخصوص اختياراتها، كانت المملكة المغربية من بين الدول الـ12 الأعضاء بالأمم المتحدة التي ارتأت عدم المشاركة في جلسة التصويت على قرار “العدوان على أوكرانيا”، وأبرزت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج أن المملكة المغربية قررت عدم المشاركة في التصويت على قرار الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بخصوص الوضع بين أوكرانيا وروسيا الفدرالية وأن عدم مشاركة المغرب في هذا التصويت، لا يمكن أن يكون موضوع أي تأويل بشأن موقفه المبدئي المتعلق بالوضع بين روسيا الفيدرالية وأوكرانيا، وأن المملكة المغربية تواصل بقلق وانشغال تتبع تطورات الوضع بين كل من أوكرانيا وروسيا الفيديرالية. وأن المغرب يعرب عن أسفه إزاء التصعيد العسكري الذي خلف، مع الأسف، إلى حدود اليوم، مئات القتلى وآلاف الجرحى، والذي تسبب في معاناة إنسانية للجانبين، بالإضافة إلى أن هذا الوضع ينعكس على مجموع السكان ودول المنطقة وغيرها.وتجدد المملكة المغربية تشبثها القوي باحترام الوحدة الترابية والسيادة والوحدة الوطنية لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.وتذكر المملكة المغربية، بأنه طبقا لميثاق الأمم المتحدة، يتعين على أعضاء هذه المنظمة تسوية خلافاتهم عبر الوسائل السلمية، وبموجب مبادئ القانون الدولي من أجل الحفاظ على الأمن والسلم العالميين.وتحرص المملكة المغربية، على الدوام، على تشجيع عدم اللجوء إلى القوة لتسوية الخلافات بين الدول، وتدعو إلى مواصلة وتكثيف الحوار والتفاوض بين الأطراف من أجل وضع حد لهذا النزاع، وتشجيع جميع المبادرات والإجراءات لتحقيق هذه الغاية.وقررت المملكة المغربية، استجابة لنداء الأمين العام للأمم المتحدة، تقديم مساهمة مالية للجهود الإنسانية للأمم المتحدة والبلدان المجاورة..
ولتسليط المزيد من الضوء على الاختيار المغربي اتصلنا ب الأكاديمي “محمد بودن” رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية الذين أوضح أن وزارة الخارجية المغربية أكدت على أن المملكة المغربية لها تصميم قوي على أداء دور إيجابي وبناء في المجتمع الدولي والمملكة تشرح مواقفها للرأي العام ببصيرة وهدوء ووضوح وأنها اتخذت قرارها كمسألة مبدأ في وفاء كامل لقناعاتها خاصة فيما يتعلق بالحلول السلمية من خلال احترام الوحدة الترابية والوطنية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة تكريسا بمبدئية الموقف المغربي وفي انسجام تام مع موقفه السيادي بخصوص وحدته الترابية وإبرازا لأفضلية الخيارات السلمية في تسوية النزاعات.. المتحدث ذاته أبرز في السياق ذاته أن الوضع العالمي اليوم تزداد فيه حدة الاستقطاب، وأن الدبلوماسية المغربية تتعامل مع العالم اليوم كما هو و ليس كما تتمنى أن يكون ، وبالتالي فإن المملكة المغربية من خلال قرارها تعرف ما تريده بالضبط والموقف المغربي يمنح مساحة كافية للتحرك بالنسبة للمغرب وحماية المصالح السيادية الوطنية وتكريس استقلالية القرار على المستوى الدبلوماسي وأيضا ضمان التفاوض والحوار مع مختلف الأطراف ..مشددا على أن المغرب لا يتفق دائما مع ما تقوم به عدة أطراف دولية ولكن الموقف بالنسبة للمملكة المغربية خاصة في الشق الدبلوماسي على مستوى الأمم المتحدة لا يتعلق بضغط على زر معين وإنما موقف مبني على أسس عميقة وعلى معاني دقيقة وعلى نظرة إيجابية لما تقوم به المنظومة الأممية تماشيا مع ما يميز المملكة المغربية من وضوح في الموقف بخصوص الحلول السلمية واحترام الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي والقيود المفروضة على استخدام القوة ..مستنتجا أن عدم مشاركة المملكة المغربية في جلسة الأمم المتحدة اليوم هي إشارة ذكية فيها بعد نظر لأن المغرب لم يغير موقفه ولم تتغير عليه المفاهيم ولم تتزعزع قناعته رغم الوضعية المعقدة في العالم اليوم ، وبالتالي فإن المغرب وفي نهجه ولخطه الدبلوماسي  وأن خيار عدم المشاركة يبرز أن المغرب ليس مضطرا لإضفاء الشرعية أو نزعها عن أي طرف وأن للمغرب موقف واضح فيما يتعلق بالقواعد التي اتفقت عليها المجموعة الدولية خاصة فيما يتعلق بالحلول السلمية والوحدة الترابية والوطنية ، وأن خيار عدم المشاركة لا ينبغي النظر إليه على أنه مسألة نادرة أو خروج عن المألوف فهو خيار يحدث باستمرار في المنظومة الأممية وفي المنظمات الدولية بحيث أن هناك معدلات صادرة عن الأمم المتحدة تقول بأنه من أصل كل 100 تصويت في الجمعية العامة هناك إمكانية لحدوث عدم المشاركة من طرف 11 عضوا ولكل عضو تفسيره فيما يتعلق بعدم المشاركة ، وبالتالي فإن عدم مشاركة المغرب هو خيار فيه اجتهاد وبعد نظر حتى أن ميثاق الأمم المتحدة في فصله الرابع لا يتوقع مسألة عدم المشاركة في قرار معين وحتى النظام الداخلي للجمعية العامة للأمم المتحدة لا تتوقع هذا ، واليوم بالإضافة للمغرب  11 عضوا آخرا لم يشارك كذلك.. مستنتجا أن المغرب تاريخيا كان دائما يميل إلى عدم الانحياز لما يشتد الصراع في المجتمع الدولي بين القوى الكبرى والمغرب اتبع في خطوته معايير جيو-اسيراتيجية واقتصادية وأمنية وعبر عن موقفه بهدوء وذكاء..

اترك رد