مرة أخرى، يسقط قناع “نظام الكابرانات” بالجزائر، وهو يزعم دعم فلسطين وقضية الشعب الفلسطيني، في حين يسارع إلى خنق أي تعبير شعبي حرّ عن التضامن مع هذه القضية. فبعد أن ملأ النظام خطبه الرسمية بالشعارات الكبرى من قبيل “الوقوف مع الشعوب المضطهدة” و”تقرير المصير”، ها هو يمنع المسيرات الشعبية الداعمة لفلسطين، ويحصر “النضال” في قاعات مغلقة، بضوابط أمنية مشددة، بلا جماهير، بلا رايات، بلا صدى.
لقد شهد الرأي العام الجزائري والدولي بذهول قرار السلطات منع أي مسيرة تضامنية في الشارع نصرة لغزة الجريحة، تحت ذريعة الحفاظ على النظام العام. بل وصل الأمر إلى التنكر التام لرموز القضية نفسها: لا علم فلسطيني، لا شعارات ثورية، ولا صوت شعبي… فقط كلمات مكررة خلف الجدران، في مشهد سوريالي يفكك آخر ما تبقى من وهم “الدولة الداعمة للقضية الفلسطينية”.
“تقرير المصير” عند الطلب فقط
المفارقة تكمن في أن هذا النظام نفسه، الذي يرفع شعارات “تقرير المصير” في قضايا خارج حدوده الجغرافية ويجيّش لها كل أبواقه الإعلامية والدبلوماسية، يمنع حتى مجرد وقفة سلمية للتعبير عن موقف إنساني عالمي تجاه شعب يُقصف ويُحاصر. وهنا ينكشف جوهر الخطاب الرسمي: ليس دعمًا لفلسطين، بل متاجرة موسمية بالقضية تُستثمر خارجياً وتقمع داخلياً.
ازدواجية المعيار
منذ سنوات، دأب النظام الجزائري على تصدير خطاب المظلومية والتضامن مع “القضايا العادلة”، متناسياً أن أولى هذه القضايا تبدأ من احترام صوت شعبه. فكيف لنظام يُقيد الحريات ويمنع التظاهر ويعتقل المعارضين أن يدّعي الانحياز إلى المقهورين في أي مكان؟ أيّ منطق سياسي أو أخلاقي يجيز هذا الانفصام؟ بل أي شرعية بقيت له ليتحدث باسم الشعوب وهو يمنع شعبه من الكلام؟
فلسطين ليست ورقة دبلوماسية
إن من يُقيد حتى العلم الفلسطيني ويمنع رفعه في الساحات، لا يمكنه أن يزعم دعم فلسطين. من يُخضع المواقف لضرورات الرقابة والاصطفاف الأمني، لا يملك الحق في الحديث عن التحرر. ومن يستثمر في فلسطين لتصفية حساباته الإقليمية، لا يخدمها، بل يسيء إليها.
إن التضامن مع فلسطين لا يُقمع ولا يُرخص له، بل هو فعل تلقائي يصدر من الشعوب الحرة، أما حين يُحوّل إلى عرض مغلق بإذن الدولة، يصبح مجرد عرض للاستهلاك الدعائي، لا غير.
لقد انكشف زيف الخطاب الرسمي وسقط القناع عن “الدولة الداعمة لفلسطين”. فالنظام العسكري الجزائري، الذي يختزل القضية الفلسطينية في شعارات جوفاء، لا يتردد في قمع أي تعبير شعبي حرّ عن التضامن معها، محوّلًا القضية إلى مجرد أداة في لعبة المصالح الداخلية والإقليمية. هذا الانفصام بين القول والفعل يكشف أن دعم فلسطين عند هذا النظام هو دعم شكلي بلا مضمون، يُمارس خارج الساحات وعلى حساب حرية الشعوب في التعبير عن مواقفها.
وبالمقابل، يتجلى الفرق الشاسع مع مواقف شعوب وأوطان أخرى، فلا نذهب بعيدًا، ففي المغرب يُكرّس الالتزام الحقيقي بحرية التعبير، إذ يُتاح للشعب التعبير عن تضامنه مع فلسطين بصراحة واستمرار، بعيدًا عن القيود الأمنية والمناكفات السياسية. هذا الموقف يؤكد أن الصدق في الالتزام تجاه القضية لا يُقاس بالشعارات الجوفاء، بل بالاحترام الفعلي للحريات وعمق الالتزام الوطني والدولي.