نعم وألف نعم للعلاقات المغربية السنغالية، ولكن—-
بقلم: لحسن الجيت
لا أحد منا ينازع في متانة العلاقات التي تربط المملكة المغربية الشريفة بشقيقتها الجمهورية السنغالية- هذه العلاقات ليست وليدة الأمس أو وليدة هذا القرن الذي نحن فيه أو حتى ما قبله، فهي ضاربة ومتجذرة في القدم وعلى مر السلالات التي تعاقبت على حكم هذه المملكة وإلى يومنا هذا-
علاقات متنوعة تجاوزت كل الأبعاد والحسابات السياسية إلى ما هو أعمق وغير قابل للتأثر بالمتغيرات أيا كانت طبيعتها وحجمها- وأيا كانت الإكراهات أو الضغوطات من الداخل أو الخارج، فإن هذه العلاقات تظل في نظارتها ونقاوتها في منأى وعصية على أي عبث طارئ أو أي عبث مدبر-
ولفهم استثنائية هذه العلاقات لابد من التأكيد على أن ما فعله البعد الروحي في هذه العلاقات من حيث متانتها وصلابتها لم تفعله السياسة ولا غيرها- على مر القرون التي خلت كان الفضل كبيرا للمملكة الشريفة في نشر الإسلام والمذهب الملكي في مختلف ربوع إفريقيا الغربية وكانت أرض السينغال خير ما أنارها هو نشر الإسلام على يد علماء وفقهاء مغاربة أوعز لهم سلاطين وملوك المغرب بمرافقة القوافل التجارية لتبليغ هذه الدعوة وتعليم الناس في تلك الربوع أصول هذا الدين الحنيف- وقد اكتسبت هذه الدعوة زخما كبيرا مع حركة المرابطين في القرن الحادي عشر خاصة في مناطق السنغال ومالي ونيجيريا عبر التجار والدعاة–
وقد لعبت الزوايا الصوفية المغربية دورا محوريا في نشر المذهب المالكي بغرب إفريقيا حيث كانت مراكز العلم والتصوف قد ساهمت في التعليم الديني والتربية الروحية عبر الطرق الصوفية –هذه الدبلوماسية الروحية أسست للتصوف السني المعتدل كإطار مرجعي ثابت ، وحافظت على الهوية الإسلامية في المنطقة عبر قرون وإلى يومنا هذا- كما أسست الزوايا الصوفية مدارس ومحاضر لتعليم الفقه المالكي والتفسير والحديث مع التركيز على العقيدة الأشعرية،وتخريج علماء ورجال دين نشروا هذه العلوم في عمق إفريقيا-
ومن أبرز تلك الزوايا المغربية نجد أولا الزاوية التيجانية التي انتشرت بقوة في السينغال ومالي والنيجر ولعبت دورا في التقارب بين المذاهب- ثانيا الزاوية القادرية التي وصلت إلى حوض النيجر، ثالثا زوايا الصحراء ـ الرقيبيةوالعروسية ـ حيث كانت بمثابة جسور بين المغرب والمناطق الجنوبية تنشر العلم وتساعد على توفير الأمن الروحي-
هذا الأمن الروحي لعب دورا لا يشق له غبار في تأمين العلاقات الروحية وتحصينها بين المملكة الشريفة ودول في غرب إفريقيا وعلى رأسها السينغال ومالي والنيجر- وانعكس هذا الارتباط الروحي بشكل جلي في مساجد تلك البلدان حيث ما زالت إلى يومنا هذا ترفع الدعوات لملك المغرب الذي ينظر إليه في تلك الدول كأمير المؤمنين على غرار تلك الدعوات التي ترفع كل يوم جمعة في المساجد المغربية-
أتباع هذه الزوايا وبالخصوص الزاوية التيجانية وبحكم ارتباطهم الروحي بالمملكة المغربية الشريفة يحجون مرة كل عام إلى مدينة فاس حيث يرقد سيدي أحمد التيجاني بعد أن وافته المنية يوم الخميس السابع عشر من شوال من عام 1230 هجرية- وهي مناسبة دينية يلتقي فيها كل أتباع هذه الزاوية قادمين من كل فج عميق- وما زال هؤلاء الأتباع يتلقون الهباتالملكية بالإضافة إلى بناء مساجد جديدةوتأثيثها وتزويدها بالمصاحف القرآنية المكتوبة برواية ورش بالخط المغربي-
ولـــكن هذا السرد الموجز للمقومات التي بنيت عليها العلاقات المغربية السنغالية والتي لا يمكن إلا أن نعتز ونفخر بها كما يتعين على السنغاليين أنفسهم أن يفخروا بها هم الأخرون، يبقى من المهم أيضا، فوق كل ذلك، التركيز على كيفية صون هذه العلاقات من أي عبث وما أكثر المتربصين في هذه الأيام بتلك العلاقات ويحاولون النيل منها من أي ثقب يريدون التسلل منه-
ومادامت النوايا سيئة عند بعض المتربصين، فإن هؤلاء كانوا في الأصل على نية مبيتة ضد هذا العرس الإفريقي الذي أثث له المغرب كل مقومات التميز والنجاح، فإذا بيد الغدر تمتد وتريده أن يتحول إلى ملتقى رياضي فاشل- لقد حاولوا ذلك بعد خروجهم من دور الربع النهائي لكن محاولتهم باءت بالفشل لأن المغرب كان على علم مسبق بمخططاتهم الشيطانية وعرف كيف يتصدى لهم-
لكن مرة أخرى شاءت الأقدار أن يتسلل المتربصون إلى من هم أقرب إلينا في الأخوة ليعلنوا حربا بالوكالة على المغرب مستخدمين بكل أسف ذلك البعض الذي باع ضميره فوق أرضية الملعب من أشقائنا في السينغال – فما حدث في مباراة النهائي لكرة القدم لا يمثل الشعب السينغالي الذي هو عاشق للمغرب- كما لا يمكن لتلك الأحداث أن تؤثر على عمق العلاقات الثنائية بين الشعبين أو البلدين-
هذا هو الثابت في العلاقات وهذا هو الذي يفترض فيه أن يستمر- لكن ما ينبغي على الجميع أن يدركه أن الأصل في بناء العلاقات بين البلدين الشقيقين يعكس حرص الطرفين على إقامتها، كما يجب أن يعكس حرص الطرفين بالحفاظ عليها- وحينما يستجد طارئ يجب على الطرفين أن يعالجا تلك الشوائب في حينه للإبقاء على صفاوة وطهارة تلك العلاقات وقطع الطريق إلى ما لا نهاية عن الذي يحاول تعكير صفوها- وهذا أمر ضروري ، فلن يكون المغرب هو المطالب الوحيد بإعادة المياه إلى مجاريها- كما لا ينبغي أن يظهر المغرب بمظهر أنه هو المتودد أو المتسول للإبقاء على تلك العلاقات- العلاقات بين الدول مبنية على الاحترام والتقدير المتبادلين- فحرص المغرب لا ينبغي أن يكون أكثر من حرص الأشقاء في السينغال-
الواقعة التي هي أمامنا اليوم لا تعدو أن تكون سوى واقعة رياضية- وبالرغم من محدوديتها على أرضية الملعب فإننا لا نريد أن نملي على أشقائنا ما ينبغي أن يفعله في تحديد ملابسات هذه النازلة وإلا سيكون ذلك تدخلا من جانب المغرب- فالسينغال إن كانت تبدي الاحترام للمغرب كما يبديه لها، فهي اليوم مدعوة لتوضيح الموقف لا لترك الحبل على الغارب- فجميع المغاربة ينتظرون اليوم من هذا البلد الشقيق إنزال أشد العقوبات لمن كان من وراء التحريض ولمن كان من وراء هذه الفتنة وكيف حصلت هذه الفتنة وكيف تم زرع بعض المتربصين في الطاقم التقني للمنتخب السينغالي- عديدة هي الأسئلة الغامضة التي يجب فتح تحقيق في شأنها- فهل الأشقاء السينغاليون على أتم الاستعداد-
وكعربون عن حسن النوايا نقول بالرغم من ذلك :عاشت العلاقات المغربية السينغالية-