
بالواضح – رضوان كمروني
عاش سكان مدينة سوق السبت مساء أمس الخميس، لحظات من الرعب والهلع، بعدما تحولت حافلة للنقل العمومي إلى كتلة من اللهب في تمام الساعة التاسعة مساءً. ورغم أن الألطاف الإلهية حالت دون وقوع خسائر في الأرواح، إلا أن هذا الحادث لم يكن مجرد عطب تقني عابر، بل هو صرخة إنذار مدوية تكشف المسكوت عنه في قطاع النقل بالمدينة.
المشهد الذي وثقته عدسات المواطنين ونشطاء التواصل الاجتماعي، يعيد للواجهة واقع الحافلات “المهترئة” التي تجوب شوارع المدينة وأزقتها. حافلات تفتقر لأدنى شروط السلامة والراحة، وتتحدى قوانين الميكانيك والكرامة الإنسانية، ومع ذلك تستمر في نقل المئات من المواطنين يومياً، ضاربة عرض الحائط بكل دفاتر التحملات التي يُفترض أن تضمن “نقلاً آمناً” للساكنة.
إن علامة الاستفهام الكبرى التي يطرحها الرأي العام المحلي اليوم تتجه مباشرة نحو الجهات المسؤولة. كيف لهذه الحافلات، التي يظهر اهتراؤها للعيان، أن تمر يومياً أمام أعين المراقبين والمسؤولين دون حسيب أو رقيب؟ كما أن استمرار هذه العربات في الخدمة يطرح تساؤلات حارقة حول دور لجان المراقبة، ومدى جدية تفعيل العقوبات في حق الشركات التي تسترخص حياة المواطن مقابل مراكمة الأرباح.
وفي مفارقة غريبة ومريرة، يمكن القول إن النيران التي اندلعت في الحافلة “أنقذت الموقف” هذه المرة؛ فقد فضحت المستور قبل أن تقع كارثة إنسانية فوق الطريق، وقبل أن نضطر لكتابة تقارير عن أرواح بريئة زُهقت بسبب إهمال تقني كان يمكن تفاديه. إن ما حدث هو “نجاة بأعجوبة”، لكن الأقدار قد لا تسعفنا في المرة القادمة إذا استمر هذا الوضع المتردي.
وفي تصريح خص به موقع بالواضح الاستاذ ” محمد بيروم” محامي بهيئة بني ملال، وعضو المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، الذي أكد أن ما حدث يتجاوز مجرد “عطب ميكانيكي” ليدخل في دائرة المسؤولية الجنائية والمدنية. وأوضح المصدر القانوني أن:
”شركات النقل العمومي ملزمة قانوناً بموجب عقد الامتياز ودفتر التحملات بضمان السلامة الجسدية للركاب كالتزام بتحقيق نتيجة وليس فقط بذل عناية. إن استمرار حافلات مهترئة في الخدمة يعد إهمالاً يعاقب عليه القانون، وفي حال وقوع ضحايا، فإن المسؤولية تمتد لتشمل الجهات الموكلة والمراقبة التي سمحت لهذه الحافلات بالتحرك في الملك العام دون استيفاء المعايير التقنية الصارمة”.
كما شدد المصدر ذاته على أن القانون المغربي يمنح للمتضررين، وحتى لجمعيات حماية المستهلك والهيئات الحقوقية، الحق في رفع دعاوى قضائية للطعن في استمرارية عقود التدبير المفوض التي لا تحترم بنود السلامة، مؤكداً أن “حياة المواطن ليست مجالاً للمقامرة أو الربح السريع”.
إن كرامة المواطن في سوق السبت تبدأ من توفير خدمة نقل تليق به، وتحفظ سلامته الجسدية. ولم يعد مقبولاً اليوم الاكتفاء بسياسة “إطفاء الحرائق” بعد وقوعها، بل المطلوب هو تدخل حازم من السلطات الإقليمية والمحلية والمجالس المنتخبة لفرض بدائل نقل حديثة، ومحاسبة كل من سولت له نفسه الاستهتار بأرواح الأبرياء.
سوق السبت لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل تحتاج إلى حافلات تضمن العودة بسلام، لا حافلات تحول رحلة العمل أو الدراسة إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.
