وجع الشخصية الصهيونية: الإحساس بالشتات، الجلاء واللا وطن

بقلم: عبدالرحيم بن محمد الحداد

مع تحرك الآلة العسكرية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل والمحاصر في قطاع غزة،يكثر الكلام في وسائل الإعلام والاتصال وتجد وجدان الإنسان عامة وعلى وجه الخصوص؛ المسلم العربي وغير العربي، مضطربا وغير راض على هذا الوضع المأساوي.
وإذا تصفحنا أوراقا قليلة من ماضي القضية الفلسطينية ،نجد أن أسلوب القمع والفتك والتدمير والتهجير والمجازر الدموية وقتل الأطفال والنساء والشيوخ واستهداف الأبرياء، وحتى الصحفيين وعائلاتهم لم يسلمو ا من مثل هذه الاعتداءات، وكان آخرهم قتل عائلة الصحافي المقتدر: “وائل الدحدوح “تغمدهم الله تعالى وكل الشهداء برحمته.
وما قصف أماكن تجمع المدنيين من مساجد وكنائس ومدارس ومستشفيات، إلا أسلوب متجذر في دم الصهيوني الغاشم، وما يدعيه من السلام العادل والشامل للمنطقة واحترام المواثيق الدولية
أو المرجعيات الحقوقية، ماهو إلا مجرد كلام عابر، كل ما في الأمر أنه يحاول من وجهة نظر علم النفس :التعويض عن الوجع الذي يعانيه والناجم من إحساسه بعقدة النقص التي باتت تنخر وجدانه، والنابعة من الجلاء الذي ظل يطارده في كل مكان عبر التاريخ منذ القدم.

في عام 1890، نشر الكاتب اليهودي النمساوي “ناثان بيرنباوم” مقالا في مجلة “الانعتاق الذاتي”، مُستخدِما لفظة جديدة على قُرَّائه في هذا الوقت، لكنها لم تكن لفظة اعتباطية، إذ لم تمضِ سبع سنوات فقط حتى تبلور هذا المصطلح في بازل بسويسرا عام 1897 على يد اليهودي النمساوي الآخر “تيودور هرتزل”، الذي استخدم لفظة “الصهيونية” التي صكَّها “ناثان” ليعقد المؤتمر الصهيوني الأول بعد عام واحد من صدور كتابه “الدولة اليهودية”؛ داعيا فيه إلى هجرة اليهود نحو فلسطين وإقامة أرض إسرائيل التي ستحل مشكلة الأقليات اليهودية في الشتات.
إن الصهيوني يدعي أنه يدعو إلى السلام،باحثا إيديولوجيا وسياسيا على طرق وحيل لتدعيم مزاعمه الأسطورية ،وعن إضفاء
المشروعية ،لكل الأفعال الإجرامية التي يرتكبها تحت إشراف القوة العسكرية الأمريكية التي تدعم كل مشروع تأمل من خلاله البقاء ،بهدف خدمة أجندتها السياسية والاستراتيجية على حد سواء .
فعقدة النقص : التشتت ، الجلاء و اللاوطن تجعل من الصهيوني حاقدا على كل شعب له وطن، وينعم بالانتماء له.
ومن تجليات ومظاهر هذه العقدة ، التحرك على أوسع نطاق لتزييف الحقائق والوقائع ، ومحاولة التسويق الإعلامي الكاذب بوضعه في صورة المظلوم لاالظالم، مخاطبا الأقلية المحاصرة بأنها تعادي (السامية ) مما يدفعه دائما للتكتل في شكل عصابات سياسية لايهمها إلا تمزيق أي وحدة ،وأي تجمع تحس أنه سيهدد كيانها ويزعزعه ، وإقامة دولة قومية صهيونية، على أرض فلسطين ،تعتمد اللغة العبرية ، كلغة رسمية ،مع البحث عن فرص أكثر لاستقطاب أكبر قدر من (اليهود)إلى أرض فلسطين لإنشاء دولتهم المزعومة،
وخلق كل الفرص التي تساعدهم على فك عقدة
اللا وطن بالتجمع في فلسطين وهنا لا يأبه الصهيوني بالآخر/الإنسان الفلسطيني بكل مرجعياته الدينية والعرقية وثوابته، الحقوقية ،فهو لا يفرق بين المسلم أو المسيحي أو أي هوية ، رغم عدائه التاريخي للمسلمين ،وخير دليل هو أنه يقصف المساجد كما الكنائس على حد سواء،وهو يوقن أنها أماكن مخصصة للعبادة،و التي يحرم قصفها في الحرب. فهي تعتبر مكانا آمنا للاحتماء من القصف الجائر، يلجأ إليها الطفل،والمرأة والكهل
على حد سواء
بل إن التدخل العسكري والتكتل مع حلفائه
لتهجير المواطنين العزل
من غزة الأبية،ومن مناطق سابقة في فلسطين المحتلة ماهي إلا عادة لا يستطيع الانسلاخ منها لأن الصهيوني مبرمج على النيل من الآخر وقمعه ليثبت ذاته، فالكيان الذي ينشأ على القهر وإيذاء الآخرين وعدم احترام إنسانية الإنسان ، هو نظام فاشل بامتياز،لأن الفشل الحقيقي هو الفشل في تمرير القيم الإنسانية النبيلة كحب الآخر ،وتقبله كماهو واحترامه والتعامل معه بالصدق والتسامح ،وهذا الفشل في القيم يترجم عمليا في الافتخار باستعمال القوة والتدمير قصد التخويف والترويع.
والمتأمل في مذبحة “مستشفى المعمداني” المفجعة ليدرك مباشرة أننا أمام وحش لا يرحم أحدًا ولا يشفق على أحد، وما يهمه سوى (الانتصار)، والتفاخر بلغة الأرقام، فهو يوهم العالم (بالنصر ) لأنه لا زال يجتر آلام ماضي أجداده الخائفين من الاضطهاد.

إن علم النفس قد أسهب في دراسة مثل هذه السلوكات ،وما علينا إلا القيام بدراسة سطحية غير متخصصة لبعض أبجديات هذا العلم ،والوقوف عند بعض المفاهيم النفسية وخصوصًا في فرع علم النفس المرضي، وعلم النفس الشخصية لنتأكد في الأخير أننا أمام ،شخصية مرضية، عدوانية غير سوية، معقدة بمايكفي، لم تتخلص بعد من شعور الإحساس بالنقص والذي نرجئه إلى:(الجلاء،التشتت،واللاوطن…)

والمسيرات والاحتجاجات التي يقوم بها اليهود اليوم ضد الصهاينة في فلسطين خاصة ،وفي باقي
أرجاء العالم ماهي إلا اعتراف حقيقي (وشهد شاهد من أهلها) بالوجع الذي تعانيه الشخصية الصهيونبة بسبب فكرة (التجمع) ذاتها والتي تتنافى مع مبدإ
الشتات الديني المكتوب على اليهود.
فيكفي أن نشاهد من بعيد ما يفعله الكيان الصهيوني هذه الأيام لنتأكد أن مثل هذه الشخصية
المريضة تحتاج على الفور إلى أطباء وخبراء في علم النفس العيادي/ الإكلينيكي لتوفير حصص جد مكثفة من العلاج النفسي.

اترك رد