يوميات اعتصام الكرامة فاتح ماي 2016

بين الصورة البارزة والعنوان

بقلم: د. محمد حقيقي*

فاتح ماي عيد بأية حال عدت يا عيد تعود محطة فاتح ماي هذه السنة و اﻷوضاع اﻹقتصادية واﻹجتماعية لعموم المغاربة تترنح على صفيح ساخن من سيء إلى أسوأ، أمام انسداد اﻵفاق، و انعدام جدوائية الحوار اﻹجتماعي، و عبثية المفاوضات، و في وقت الذي يعيش فيه الفاعل السياسي تحت هاجس التوازنات الماكروإقتصادية التي يقدمها بالطبع على حساب الإستحقاقات اﻹجتماعية. ولعل من بين الملفات التي تحظى باﻹهتمام لما لها من آثار وبعد اجتماعي ، ملفات ضحايا اﻹنتهاكات الجسيمة لحقوق اﻹنسان خﻻل سنوات الرصاص المعتصمين أمام المجلس الوطني لحقوق اﻹنسان منذ 21 يناير 2015 ، فقد احتفلوا وشاركوا في مسيرة فاتح ماي بالرباط السنة الماضية، و رفعوا خﻻلها ﻻفتات ضمنوها مطالبهم، و ها هم اليوم بعد مرور سنة على هذه المناسبة ما يزال اﻷمر على ما كان عليه، يحتفلون ويرفعون نفس المطالب، و لعل المسؤولين ونظرا لعدم تجاوبهم مع هذه المطالب يفضلون العمل بقاعدة “كم من حاجة قضيناها بتركها” و يراهنون على تعب الضحايا ونسيان قضيتهم واﻹنسحاب تحت ضغط اﻷمر الواقع، وهم بالفعل واهمون و ﻻ يصدرون في ذلك عن إحساس بالمسؤولية و ﻻ يعكسون درجة من النضج والتمكن من آليات تدبير وضعية /إشكالية (القوة واﻷمانة).

وتنبغي اﻹشارة في هذا الصدد أن الحل المحلي المتوافق عليه في اتفاق 30 غشت 2015 الذي انعقد ما بين اﻷمين العام للمجلس الوطني لحقوق اﻹنسان والتنسيقية الوطنية لضحايا اﻹنتهاكات الجسيمة خﻻل سنوات الرصاص بالمغرب بحضور المنتدى المغربي من أجل الحقيقة واﻹنصاف، يمثل إطارا ﻹنصاف الضحايا المعتصمين وتحقيق مطالبهم اﻹجتماعية. و رغم ذلك تم اﻹلتفاف عليه. فهل يمكننا و الحالة هاته القول أن المؤسسات الوصية على ملف المصالحة في المغرب وجبر الضرر لضحايا سنوات الرصاص ، أخفقت في تدبير هذا الملف وصوﻻ إلى الطي النهائي لماضي اﻹنتهاكات بعد رد اﻹعتبار لكل ضحاياها وإنصافهم دون تمييز أو إقصاء؟ . إن سياسة الهروب إلى اﻷمام ، والتعنت الفارغ التي ميزت التفاعل الرسمي مع المطالب اﻹجتماعية والتي هددت السلم اﻹجتماعي أكثر من مرة ، ﻻ يمكنها أن تسقط حقوق ضحايا انتهاكات الماضي او انتهاكات العهد الجديد، تحت طائلة قانون القوة وليس قوة القانون ، وستبقى مطالب الضحايا في العيش الكريم قائمة ، إلى إشعار آخر ، حين تتغير موازين القوة لفائدة أصحاب المطالب .. نعم هناك تمييز واضح ترزح تحته الحالة اﻹجتماعية للمواطنين، وتفاوت مخيف يمثل السمة البارزة ما بين شريحة كبيرة ﻻ تجد رغيف يومها بله حقها في سكن يليق بآدميتها و تعليم جيد ينتهي إلى تخريج الكفاءات واﻷطر العليا، ﻻ تعليم معطوب ينتج اليائسين ويعدهم كيد عاملة رخيصة موجهة إلى أعمال السخرة في سوق الرأسمالية المتوحشة ، و كذلك الشأن بالنسبة للحق في الصحة والحق في مصدر للرزق والعيش الكريم .

وبين أقلية احتكرت الثروة والسلطة واستفادت من الريع السياسي طوﻻ و عرضا وما تزال تبحث في شراهة عن المزيد، واقتسمت المناصب والمكاسب و”الكراسي” من خلال طوطم الحزب المعبود الجديد. حالة الفوضى هاته أو باﻷحرى ما يسمى بالفساد ﻻ يمكنها أن تؤدي إلى مآﻻت ايجابية طالما هي محمية برعاية اﻹستبداد والطغيان السياسي (.. الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد ، فصب عليهم ربك سوط عذاب ، إن ربك لبالمرصاد” وإن تعجب فلك أن تعجب من مثال “مي فتيحة” وتزكية اﻹكليروس للظلم الذي مورس في حقها، وكذلك قضية إخﻻء ساحة قائد الدروة و انقلاب اﻷمر على الزوجة وزوجها، و توالي عمليات إحراق الذات “الهيراكيرا”، أضف إلى ذلك التعنت الدونكشوطي بشأن ملف اﻷساتذة المتدربين و ما تعرضوا له من مس بحقوقهم ثم العودة ﻹيجاد الحل في النهاية..، كل ذلك وغيره من أمثلة يعتبر مؤشرات كافية تدعونا إلى مراجعة السياسات العمومية، و تلح علينا للبحث عن وسائل من أجل تفعيل خيارات الوساطة والتحكيم والحكامة و طرح كل القضايا ذات الطابع اﻹجتماعي و السياسي للنقاش في أفق إيجاد حل لها، حفاظا على السلم اﻹحتماعي داخل وطن هو للجميع، و هو بمثابة السفينة التي أصاب بعضنا أعلاها وبعضنا أسفلها، وإﻻ في حال هيمنت اﻷنانية السياسية “ﻻ أريكم إﻻ ما أرى، وﻻ أهديكم إﻻ سبيل الرشاد” وغابت الحكمة والرشد في التعاطي مع القضايا الراهنية اﻹجتماعية أو السياسية، وانعدمت الجرأة في تشخيص أسباب فقدان السيادة في اتخاذ القرار والاعلان عن ذلك أمام الملأ مع اتخاذ التدابير المناسبة من انسحاب أو مطالبة بتحرير المهام والصلاحيات من التحكم، فلن يفرز هذا الوضع إﻻ مزيدا من اﻹحتقان المصحوب بوهم اﻹستقرار المفروض تحت طائلة القمع والتهديد.

و قد أكدت التجارب أن الجولة اﻷخيرة، والعاقبة التي تأتي ولو بعد حين ، تكون للمستضعفين. لذلك ينبغي ﻷهل الرشد من المسؤولين في هذا الوطن، و هيئات الوساطة والشرفاء واﻷحرار أخذ المبادرة وتفعيل مقاربة مسؤولة للتعاطي مع كافة القضايا العالقة سواء السياسية منها أو اﻹجتماعية الكثيرة، ومن بينهما قضية ضحايا اﻹنتهاكات الجسيمة لحقوق اﻹنسان خلال سنوات الرصاص. فالمعركة الحقيقية ينبغي أن تكون ضد الفساد واﻹستبداد، ﻻ ضد المستضعفين وضحايا إنتهاكات حقوق اﻹنسان، وفي اﻷخير أتساءل “أليس منكم رجل رشيد؟”.

المستشار الحقوقي للتنسيقية الوطنية لضحايا اﻹنتهاكات الجسيمة لحقوق اﻹنسان خﻻل سنوات الرصاص بالمغرب*

اترك رد